لم يذكر القرآن الهاتف الذكي ولا منصات التواصل الاجتماعي؛ فهي أدوات ظهرت بعد عصر التنزيل بقرون، لكنه وضع مبادئ أخلاقية تضبط تصرفات الإنسان أينما كان: في كلامه ونظره، وفي نقله للأخبار، وفي احترامه لخصوصيات الآخرين، وفي تجنبه للسخرية والتجسس والإيذاء.
وفي المقال السابع من سلسلة «مشكلاتنا في ضوء القرآن» نتوقف أمام سؤال أصبح مهمًا في حياتنا المعاصرة:
هل تبقى أخلاقنا هي نفسها عندما نكون خلف الشاشة؟
عندما يأخذ الجوال أكثر مما يستحق
قال تعالى عن المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3].
ليس استخدام الجوال مشكلة في ذاته، فقد أصبح وسيلة للعمل والتعلم والتواصل وإنجاز كثير من شؤون الحياة.
لكن المشكلة تبدأ عندما نفتح الهاتف لدقيقة فتمر ساعة، وعندما نجلس مع الأسرة وأعيننا في الشاشات، وعندما يكون أول ما نراه بعد الاستيقاظ وآخر ما نراه قبل النوم.
وقد نحتاج أحيانًا إلى أن نسأل أنفسنا:
هل أنا أستخدم الهاتف، أم أصبح الهاتف يستخدم وقتي؟
العمر الذي يمر ونحن نتصفح
قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 1-2].
من السهل أن نشعر بقيمة المال الذي نخسره، لكننا قد لا نشعر بقيمة الساعات التي نخسرها.
عشر دقائق هنا، وعشر هناك، ثم نكتشف في نهاية اليوم أننا قضينا ساعات في التنقل بين مقاطع لا نتذكر معظمها.
ليست المشكلة في الترفيه، فالإنسان يحتاج إليه، وإنما في أن يتحول الترفيه إلى استهلاك مستمر للعمر.
قبل أن تضغط «إعادة إرسال»
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6].
هذه الكلمة القرآنية القصيرة: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ نحتاجها كثيرًا في زمن السرعة.
رسالة تصل في مجموعة واتساب.
خبر مثير.
مقطع مجتزأ.
اتهام لشخص.
تحذير من منتج.
ثم نعيد الإرسال فورًا.
وقد يكون الخبر كاذبًا، لكننا أصبحنا جزءًا من نشره.
قبل أن ترسل، اسأل:
من المصدر؟
هل الخبر كامل؟
هل هو حديث أم قديم؟
وهل أستطيع تحمل مسؤولية نشره إذا كان غير صحيح؟
ليس كل ما نسمعه نعرف حقيقته
قال تعالى في حادثة الإفك: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: 15].
واليوم قد لا نقوله بأفواهنا فقط، بل نكتبه بأصابعنا.
والمشكلة أن زر إعادة النشر يجعل الإنسان قادرًا على إيصال المعلومة إلى آلاف الأشخاص في ثوانٍ.
سهولة النشر لا تلغي مسؤولية الناشر.
التنمر انتقل إلى الشاشة
قال تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ [الحجرات: 11].
قد ينشر شخص صورته، فتأتي التعليقات على شكله أو وزنه أو لهجته.
وقد يصبح مقطع إنسان مادة للسخرية بين آلاف الحسابات.
ويشارك بعض الناس لأن الجميع يشارك.
لكن خلف الحساب إنسان.
قد يقرأ.
وقد يتألم.
وقد تبقى تلك التعليقات في ذاكرته طويلًا.
التشهير ليس إصلاحًا دائمًا
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور: 19].
والآية لها سياقها في حادثة الإفك، لكن من هداياتها إدراك خطورة إشاعة الفاحشة والحديث فيها.
وهناك فرق بين الإبلاغ عن خطأ إلى جهة مختصة لحماية الناس وبين تحويل الخطأ إلى مادة للتشهير والفرجة.
فليس كل مخطئ يحتاج إلى أن يعرف العالم كله خطأه.
وقد يكون الإصلاح أحيانًا في الستر والنصح، وقد يكون في الإبلاغ الرسمي إذا تعلق الأمر بحقوق الناس أو سلامتهم.
خصوصية الناس ليست ملكًا لنا
قال تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12].
التجسس اليوم قد لا يحتاج إلى الوقوف خلف باب.
قد يكون بالدخول إلى هاتف شخص دون إذنه، أو قراءة محادثاته، أو محاولة معرفة كلمة مروره، أو تتبع حساباته الخفية.
التقنية غيرت الوسيلة، لكن السؤال الأخلاقي بقي:
هل يحق لي أن أعرف هذا؟
هل يحق لك نشر صورة غيرك؟
أرست سورة النور مبادئ الاستئذان واحترام الخصوصية، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: 27].
ومن روح هذا الأدب القرآني نتعلم أن خصوصيات الآخرين ليست مباحة لنا لمجرد أن الهاتف يستطيع تصويرها.
قد تصور مجلسًا ويظهر شخص لا يريد الظهور.
وقد تنشر موقفًا عائليًا دون سؤال أصحابه.
السؤال البسيط قبل النشر:
هل استأذنت؟
وأبناؤنا لهم خصوصية أيضًا
يصور بعض الآباء أبناءهم منذ الولادة، وينشرون تفاصيل حياتهم ومشكلاتهم ومواقفهم المحرجة.
لكن الطفل سيكبر.
وقد لا يرضى أن تبقى طفولته كلها متاحة للناس.
الأبناء أمانة، وليسوا محتوى.
وقبل نشر صورة أو موقف محرج لطفلك اسأل:
هل يمكن أن تؤذيه هذه المادة عندما يكبر؟
العلاقات التي تبدأ برسالة
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ﴾ [الإسراء: 32].
كثير من العلاقات غير المنضبطة لا تبدأ بقرار كبير.
تبدأ بإعجاب.
ثم رسالة.
ثم حديث يومي.
ثم تبادل أسرار وصور.
ثم تعلق يصعب الخروج منه.
ولذلك فإن الحدود تكون أسهل في البداية من محاولة استعادتها بعد التعلق.
الصورة الخاصة قد لا تبقى خاصة
من أخطر ما في العلاقات الرقمية إرسال الصور والمقاطع الخاصة.
قد يقول الطرف الآخر:
«ثق بي، لن يراها أحد».
لكن الهاتف قد يضيع، والحساب قد يخترق، والعلاقة قد تنتهي، وقد يتحول الشخص الذي كان موضع ثقة إلى مصدر تهديد وابتزاز.
ومن هدايات سورة النور حفظ العفة والستر وغض البصر.
وأفضل حماية للصورة الخاصة هي ألا تصبح في هاتف شخص آخر أصلًا.
الابتزاز الإلكتروني
عندما يبدأ شخص بتهديد آخر بصورة أو محادثة أو معلومة خاصة، فالمشكلة لم تعد مجرد خلاف شخصي.
لا ينبغي للضحية أن تستسلم لمطالب المبتز أو تستمر في دفع المال خوفًا من الفضيحة.
من المهم حفظ الأدلة وطلب المساعدة والتوجه إلى الجهات المختصة، وعدم مواجهة المبتز بطريقة قد تزيد الخطر.
فالستر لا يعني الاستسلام للظلم.
المحتوى الإباحي
قال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: 30].
وسهولة الوصول إلى المحتوى الإباحي جعلت المشكلة أقرب إلى الإنسان من أي وقت مضى.
وعندما يتحول الاستخدام إلى سلوك قهري يؤثر في الدراسة أو العمل أو العلاقة الزوجية أو القدرة على التوقف، فقد يحتاج الإنسان إلى مساعدة متخصصة إلى جانب الجانب الديني.
طلب العلاج ليس فضيحة.
لا تقارن حياتك بكواليس لا تراها
قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ﴾ [طه: 131].
نفتح وسائل التواصل فنرى سفرًا، وسيارات، ومنازل، ونجاحات، وابتسامات.
ثم ننظر إلى حياتنا ونشعر أنها ناقصة.
لكننا نقارن حياتنا الكاملة بلحظات اختار الآخرون عرضها.
أنت ترى الصورة، ولا ترى الديون.
ترى الابتسامة، ولا ترى الخلافات.
ترى النجاح، ولا ترى سنوات المحاولة.
فلا تجعل شاشة صغيرة تقنعك بأن حياة الجميع أفضل من حياتك.
عندما تصبح المشاهدات هدفًا
قال تعالى عن الدار الآخرة: ﴿نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: 83].
حب التقدير شعور إنساني، لكن المشكلة عندما يصبح الإنسان مستعدًا لفعل أي شيء من أجل المشاهدات.
مشكلة أسرية تتحول إلى محتوى.
طفل يبكي فيُصوَّر.
حادث يُصوَّر بدل مساعدة المصاب.
خصوصيات تُكشف.
وقد يصبح السؤال قبل أي موقف:
«كم سيجلب هذا من المشاهدات؟»
بدل:
«هل ينبغي أن أنشره أصلًا؟»
لا تجعل مشكلتك الخاصة عرضًا عامًا
بعض المشكلات تحتاج إلى شخص حكيم أو مستشار أو مختص، لا إلى آلاف المتابعين.
وعندما تخرج تفاصيل الحياة الزوجية أو الأسرية إلى الجمهور، يصبح من الصعب إعادتها إلى نطاقها الخاص.
وقد يتصالح الزوجان، لكن الجمهور لا ينسى ما قرأه عنهما.
الاستشارات على الهواء
قد تكون التوعية العامة عبر المنصات مفيدة، لكن الحالات الشخصية الحساسة تختلف.
المشكلة الأسرية أو النفسية قد تحتوي على معلومات عن الزوج أو الأبناء أو أشخاص لم يوافقوا على عرض حياتهم أمام الجمهور.
كما أن بعض الحالات تحتاج إلى تقييم مفصل لا توفره دقائق في بث مباشر.
ليس كل سؤال ينبغي أن تكون إجابته أمام الناس.
لا تدخل كل معركة إلكترونية
قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63].
ليس كل تعليق يحتاج إلى رد.
وليس كل شخص يختلف معك يحتاج إلى أن تقنعه.
وأحيانًا يكون أفضل استخدام لزر «الرد» هو ألا تضغط عليه.
فليس كل انسحاب ضعفًا، وبعض النقاشات لا تنتج إلا مزيدًا من الغضب.
لا تحكم على إنسان من عشرين ثانية
مقطع قصير قد يكون مبتورًا.
صورة قد تكون بلا سياق.
كلمة قد يكون قبلها وبعدها كلام يغير معناها.
ومع ذلك نصدر الأحكام بسرعة.
وهنا تعود إلينا هدايتان عظيمتان:
﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6].
و﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: 12].
قبل أن تضغط «نشر»
ربما نحتاج إلى خمس أسئلة فقط:
هل ما أنشره صحيح؟
هل هو نافع؟
هل يحق لي نشره؟
هل يمكن أن يؤذي أحدًا؟
وهل أرضى أن يبقى مرتبطًا باسمي بعد سنوات؟
إن كانت الإجابة تقلقك، فقد يكون عدم النشر هو القرار الأفضل.
فالإنسان خلف الشاشة هو الإنسان نفسه أمام الناس.
الشاشة لا تلغي المسؤولية، والفضاء الرقمي لا يلغي الأخلاق، وما لا يليق بنا أن نفعله أمام الناس لا يصبح لائقًا لمجرد أننا فعلناه من خلف هاتف.
وفي المقال الثامن والأخير من سلسلة «مشكلاتنا في ضوء القرآن» ننتقل إلى الأزمات والشدائد: المرض، والفقد، وضيق الحياة، والفشل، وفقد الوظيفة، والتقاعد واليأس، ونسأل: ماذا نفعل عندما تأتي الحياة بما لم نخطط له؟

