ليس أخطر ما تفعله الدعاية الحربية للميليشيات أنها تحجب الحقيقة أو تزيّف الواقع الميداني فحسب، بل إن خطورتها الاستراتيجية تكمن في قدرتها على فرض منطق إدراكي بديل يغيّر معايير التقييم والنقد؛ فتُقدَّم الخسارة التكتيكية كصمود، والتراجع التعبوي كإعادة تموضع استراتيجي، ويُصوَّر استمرار إطلاق النار بذاته دليلا كافيا على تحقيق الانتصار. وعند هذه النقطة، تتجاوز المواجهة حدود المسرح العسكري لتستقر في عمق الوعي الجمعي، حيث يُطلب من الجمهور التسلّيم المطلق بالرواية الأيديولوجية بدلا من مساءلة النتائج المتحققة على الأرض.
وفي قراءة الخطاب الإعلامي للحوثيين، يبرز سؤال جوهري لا يجوز أن يحجبه ضجيج العمليات ولا البيانات الحماسية، المتمثل في ماذا تحقق بالفعل؟ إن المسافة الفاصلة بين القدرة العملياتية على إطلاق السلاح وبين القدرة الاستراتيجية على فرض الغايات السياسية هي مسافة شاسعة لا تختصرها البيانات الصحفية، ولا تلغيها المقاطع المصورة المصممة بعناية إخراجية. وحين ينحرف النقاش العام إلى مجرد إثبات أن الجماعة ما زالت تمتلك قدرة الهجوم والاستنزاف، بدلا من قياس مدى تحقق أهداف تلك الهجمات، يغدو استمرار القتال في المنظور الدعائي بديلا زائفا عن نجاحه العملياتي.
وتبلغ الدعاية غايتها العظمى حين يحتكر القرار العسكري والسياسي مسألة تعريف مفهومي (النصر والهزيمة). فإن نفّذت الجماعة عملية استهداف، قدمتها بوصفها تغييرا جذريا لمعادلات الردع الإقليمي؛ وإن اضطرت للتراجع، وصفت انكفاءها بالمناورة التكتيكية؛ وإن تكبدت خسائر في العتاد والأرواح، احتفت بقدرتها البنيوية على البقاء. وفي هذا المنطق المغلق، يتم تجريد النتائج الميدانية من وظيفتها الأساسية بوصفها اختبارا لحسابات القيادة وصواب قرارها، وتُعاد صياغتها جميعا بصورة تحمي صاحب القرار من المراجعة والمساءلة.
غير أن تفكيك هذا الخطاب وتجريده من فاعليته لا يبدأ بالاستخفاف بالقدرات أو التهوين من الخطر؛ فالتحليل الجيوستراتيجي المهني لا يقوم على الانفعال أو التقليل من حجم التهديد. ليست المسألة إغفال القدرة على إيقاع الضرر التكتيكي، بل رفض مساواة هذا الضرر بالقدرة على الحسم العسكري، أو اتخاذه برهانا كافيا على بلوغ الأهداف الجيوسياسية المعلنة. إن إطلاق المقذوف أو المسيّرة لا يثبت حتمية إصابة الهدف، وإصابته الجزئية لا تعني تعطيله الكامل، وتعطيله المؤقت لا يضمن دحر الإرادة السياسية للطرف المقابل أو فرض شروط التفاوض عليه. وفي هذه الفجوات التكتيكية تحديدا، تنشط الدعاية الحربية لتقفز من لحظة الإطلاق المباشر إلى إعلان الانتصار النهائي، متجاوزة تقييم الأضرار الحقيقي ومسببات التعافي اللوجستي لدى الخصوم.
ومن هنا تتجلى أهمية الإخضاع المستمر لبيانات العمليات للمساءلة التحليلية؛ فالإعلان عن استهداف سفينة أو منشأة حيوية ليس برهانا على توقف الحركة أو شلل الفاعلية، ومشهد الانفجار المقتطع من سياقه لا يكشف بحسب طبيعته حجم الضرر الفعلي أو قدرة البنية التحتية المستهدفة على امتصاص الصدمة واستئناف التشغيل عبر خطوط الإمداد البديلة. وقد يكون الخبر دقيقا من زاوية نقله الصرف لما ورد في البيان الاستهلالي، لكنه يتحول إلى أداة تضليلية مكتملة الأركان عندما يُحذف مصدر الادعاء وتُقدَّم المضامين باعتبارها حقائق عسكرية محسومة.
إن هذا النقد الرزين للرواية الحربية لا يعني بحال التسليم الآلي بروايات الأطراف المقابلة دون تمحيص؛ فالنفي المجرد لا يغني عن الدليل، كما أن الإعلان لا يحل محل الشواهد الاستراتيجية. والمقياس الأمني المعتمد يظل ثابتا: ما الذي ثبت ميدانيا؟ وما حجم الضرر الذي لحق بالقدرة التشغيلية؟ وهل تأثرت خيارات الخصم السيادية أو تغير مسار المواجهة الكلي؟
ولا تقف هذه المساءلة عند الجانب العملياتي والتكتيكي، بل تمتد إلى البيئة الأخلاقية والشرعية الاقتصادية والاجتماعية للقرار. فمن يقرر تصعيد المواجهة وتوسيع نطاق الخطر، ثم يوزّع أعباء الاستنزاف وكلفته الباهظة على المجتمع الذي يقع تحت سيطرته، لا يملك الحق في المطالبة بالإعفاء من المحاسبة بحجة التذرع بقضية عادلة. إن نبل القضايا لا يعصم القرارات السياسية والعسكرية من الفشل، ولا يمنح أي فصيل مسلح حق احتكار تمثيل الشعوب، كما أن نقد الوسائل والآليات لا يمثل بحال عداء لغايات الشعوب وتطلعاتها.
وقد تظل القضية عادلة في أصلها، بينما تظل وسائل الجماعة قاصرة، وحساباتها الجيوسياسية خاطئة، والتكلفة التي يتكبدها المجتمع أكبر بكثير من أي عائد استراتيجي مفترض. وحين يُمنع الفرز الموضوعي بين عدالة القضية وسلوك حامل السلاح، تتحول المبادئ الأخلاقية من معيار لمراقبة الأداء إلى مظلة إيديولوجية لحماية الجماعة من النقد. ولهذا يتوجب الانتباه لرصد تبدل معايير النجاح؛ فإذا بدأت المواجهات بوعود فرض معادلات جديدة وتغيير الخارطة السياسية، فلا يمكن قبول اختزال الحصيلة في مجرد (عدم انهيار الجماعة)؛ إذ إن بقاء الهيكل التنظيمي قد يكون هدفا ذا قيمة حيوية للجماعة نفسها، ولكنه لا يكفي مطلقا لإثبات سلامة خياراتها الاستراتيجية، ولا يعوض المجتمعات عما فقدته من مقومات الأمن والاستقرار.
وهنا يكمن الخلط الأشد خطورة بين مصلحة التنظيم العسكري ومصلحة الدولة والمجتمع؛ فبقاء السلاح لا يعني توفر الأمن، ونجاة القيادة ليست دليلا على رصانة التخطيط. وإذا بقيت منصات الإطلاق تعمل بينما تتآكل مقومات الحياة الاقتصادية وتتداعى قدرات التعافي البنيوي، فلا يجوز القبول باختصار المشهد في أن الميليشيا لا تزال قادرة على المواجهة. إن السلاح الذي يُفترض أن يكون وسيلة لحماية الأمن القومي والمجتمعي يجب أن يُقاس بحجم الحماية والاستقرار اللذين وقرهما بالفعل، لا أن يُطالَب المجتمع بدفع فواتير بقائه واستنزافه إلى ما لا نهاية.
وينطبق هذا التحليل المباشر على مفهوم الردع أيضا؛ فاستمرار الهجمات المتقطعة ليس في حد ذاته برهانا على نجاح الردع الاستراتيجي، إذ لا يكفي أن يمتلك طرفٌ قدرة الإيذاء أو إطلاق المقذوفات، بل ينبغي اختبار ما إذا كان قد نجح بالفعل في منع خصمه من ممارسة خياراته أو تقييد حركته أو حماية مصالحه الحيوية. أما خلط الفاعلية التكتيكية المحدودة بمفهوم الردع الشامل، فيمنح كل عمل هجومي قيمة استراتيجية وهمية قبل اختبار آثاره الحقيقية على أرض الواقع.
وفي قراءة التهديدات الموجهة للملاحة الدولية وممرات الطاقة والبنى التحتية، ينبغي الفصل الدقيق بين الأثر النفسي المتوخى والقدرة العسكرية المثبتة. فقد يسعى الإعلام الحربي إلى التأثير في أسواق الطاقة والرأي العام العالمي قبل تنفيذ أي ضربة عملية، لكن إدراج الأهداف في البيانات ليس كتابة للنتائج، وتسمية المنشآت الحيوية لا تثبت القدرة على الوصول إليها أو إخراجها عن الخدمة. ومع ذلك، لا يجوز تهوين الخطر لمجرد أن التهديد يؤدي وظيفة دعائية؛ فالتقدير الاستراتيجي الرزين يناقش نية المهاجم وقدرته وفرص التنفيذ، ويأخذ في الحسبان كفاءة المنظومات الدفاعية وبدائل التشغيل وسرعة التعافي.
ومن منظور أمن الخليج العربي والاستقرار الإقليمي، فإن حماية المنشآت الحيوية وحرية الملاحة لا تنفصل عن حماية البيئة الإدراكية والثقة في القرار السيادي. ولهذا يتطلب الأمر اقتران الجاهزية العسكرية والعملياتية بإعلام استراتيجي دقيق وموثق؛ يوضح الحقائق الثابتة، ويكشف الادعاءات الفاقدة للسند، ولا يترك أي فراغ معلوماتي تستغله الرواية الحربية للميليشيات.

ختاماً..
إن أخطر ما تسعى الدعاية الحربية إلى ترويجه ليس مجرد تصديق بيان بعينه، بل تثبيت المعيار الفاسد للحكم على النتائج: بأن يصبح مجرد بقاء الجماعة انتصارا تاريخيا، ومجرد الإطلاق ردعا موجها، ومجرد تحمل المجتمع للخسائر تفويضا مفتوحا لمزيد من التصعيد. ومواجهة هذا المنطق تبدأ بطرح الأسئلة الحقيقية التي لا يجيب عنها ارتفاع الصوت الإعلامي: ماذا تحقق عمليا؟ ما الذي تمت حمايته؟ ما الذي تغير في معادلات الخصم؟ ومن دفع الثمن في النهاية؟ فقد يصيب المقذوف هدفه التكتيكي، ثم يفشل القرار السياسي الذي أطلقه؛ وقد يبقى التنظيم المسلح، في حين يخسر المجتمع الذي يتم ممارسة التصعيد باسمه.

