جاء توجيه معالي وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد الشيخ الدكتور عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ، بتخصيص خطب اليوم الجمعة 26 جمادى الأولى 1448 للتحذير من العصبية القبلية ومثيريها، والتنبيه إلى خطورة الحسابات المضللة التي تستهدف النسيج الاجتماعي واللحمة الوطنية، ليؤكد أهمية تعزيز الوعي المجتمعي، وترسيخ قيم التآخي والتسامح والتلاحم بين أبناء الوطن الواحد، في خطوة توعوية تستحق الإشادة والتقدير والمساندة. فالمملكة العربية السعودية، التي قامت على وحدة الأرض والإنسان والمصير، تحتضن قبائل عريقة نفخر جميعًا بتاريخها وأصالتها وقيمها ومواقفها المشرفة، التي أسهمت في بناء الوطن والدفاع عنه والمحافظة على أمنه واستقراره. ولا شك أن الاعتزاز بالقبيلة والنسب والأصول قيمة اجتماعية أصيلة ومشروعة، شريطة ألا تتحول إلى تعصب أو انتقاص من الآخرين، فالفخر بالانتماء لا يتعارض مع الاعتزاز بالوطن، بل يعززه ويقويه.
ولقد وضع الإسلام الأساس المتين لهذه العلاقة الإنسانية والاجتماعية، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. كما حذر الرسول ﷺ من دعاوى العصبية الجاهلية بقوله: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ»، في تأكيد واضح أن الأنساب وسيلة للتعارف والتواصل وصلة الأرحام، وليست مبررًا للتفاخر المذموم أو إثارة الخلافات.
وفي عصر الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، تبرز أهمية هذا التوجيه، خصوصًا مع وجود حسابات مجهولة أو مضللة تستغل الانتماءات القبلية والمناطقية لإثارة الحساسيات وتأجيج الخلافات بين أبناء المجتمع. وهنا ينبغي أن ندرك أن الكلمة مسؤولية، وأن إعادة نشر المحتوى المسيء دون تثبت قد تسهم في توسيع دائرة الخلاف، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]. ومن هنا، فإن مسؤولية المحافظة على تماسك المجتمع لا تقع على جهة بعينها، بل هي مسؤولية مشتركة تتحملها الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد ووسائل الإعلام والمؤسسات الاجتماعية، من خلال نشر ثقافة الحوار والاحترام المتبادل، وتعزيز قيم المواطنة والتسامح، وتوعية الأجيال بخطورة التعصب وآثاره السلبية. ولعل من أعظم ما نفخر به في وطننا الغالي ذلك التلاحم التاريخي بين القيادة والشعب، الذي أرسى دعائمه الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيب الله ثراه، عندما وحّد هذه البلاد تحت راية التوحيد، وجمع أبناءها على المحبة والتآخي والمصير المشترك، واستمرت هذه المسيرة المباركة في عهود أبنائه الملوك، وصولًا إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله. إن المجتمع السعودي بمختلف قبائله وعوائله ومناطقه وأطيافه ومكوناته يشكل نسيجًا وطنيًا متماسكًا، تتكامل فيه الانتماءات الاجتماعية تحت مظلة الانتماء الأكبر للمملكة العربية السعودية، وهو ما يجعل من تنوعنا مصدر ثراء وقوة، ومن وحدتنا ركيزة أساسية لأمننا واستقرارنا وازدهارنا.
وختامًا، فإن الاعتزاز بالقبيلة لا ينبغي أن يكون على حساب الانتماء للوطن، كما أن الانتماء للوطن لا يلغي الاعتزاز بالقبيلة، فكلاهما قيمتان أصيلتان تتكاملان عندما تسودهما الحكمة والاعتدال والاحترام المتبادل. فلنعتز بأصولنا دون تعصب، ولنختلف في آرائنا دون خصومة، ولنجعل من محبتنا لوطننا ووحدتنا الوطنية القاسم المشترك الذي يجمعنا جميعًا.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها نعمة الأمن والأمان والاستقرار، وحفظ قيادتها وشعبها من كل مكروه.
0

