نكبر ونحن نظن أن آباءنا يبالغون في الحذر، ثم تكبر تجاربنا فنكتشف أنهم كانوا يرون من الطريق ما لم نكن نراه. نستعجل الخطوة، ويستوقفوننا بنصيحة: نتطلع إلى ما يلمع أمامنا، ويتأملون ما قد يختبئ خلفه. وبين اندفاعنا وتأنّيهم، تبقى كلمات نسمعها في أول العمر فنستثقلها، ثم نستعيدها بعد سنوات ونتمنى لو منحناها شيئًا من الإصغاء.
وخلال نقاشٍ مع أحد المحامين الأفاضل، سمعت منه مثلًا شعبيًا استوقفني بقوة عبارته وعمق دلالته:
«من لم يمشي مشية أبيه، تلقّى زمانًا يتمنى الموت فيه… ومن كذّب جرّب».
مضى النقاش، وبقي المثل حاضرًا في خاطري. ففي بعض الأمثال أعمار مضغوطة في كلمات، وتجارب لا نرى أصحابها، لكننا نلمح آثارها في حزم العبارة. وهذا المثل، على قسوته، يحمل خوفًا حنونًا: كأن قائله يريد أن يختصر على من يحب مشقة طريقٍ عرف حُفره، وذاق غباره، ودفع من عمره ثمن عبوره.
استوقفتني كلمة «مشية». ما أوسع معناها حين تمتد من حركة القدمين إلى سيرة الإنسان! فللمرء مشية في الخصومة، وأخرى في الرضا، وثالثة حين تضيق به الدنيا أو تتسع بين يديه. وطريقته في الوفاء بالوعد، وحفظ السر، ورد الحق، والتعامل مع الضعيف، تكشف ما استقر في نفسه من قيم، وما حمله من بيته إلى الحياة.
قد يشبه الابن أباه في ملامحه ونبرة صوته، لكن الشبه الأعمق يظهر حين يؤتمن فيصون الأمانة، وحين يغضب فيحفظ للآخر كرامته، وحين يقدر على التنصل من حق فيؤديه. في تلك اللحظات تتحول التربية إلى موقف، ويصبح للأب حضور في أفعال ابنه، ولو باعدت بينهما المسافات أو غيبته الأيام.
لم يكن كل الآباء أصحاب شهادات، ولا كانوا يجلسون ليشرحوا لأبنائهم معنى النزاهة والمسؤولية. بعضهم قدم أبلغ دروسه حين أعاد مبلغًا زائدًا إلى بائع، أو اعتذر عن خطأ، أو زار قريبًا رغم خلاف قديم. كنا نشهد تلك التفاصيل ثم ننصرف عنها، وما كنا نعلم أنها تتراكم في وجداننا، وتصنع الميزان الذي سنزن به اختياراتنا يومًا.
وكم من أب ترك مالًا قليلًا واسمًا كبيرًا: اسمًا يسبق أبناءه إلى قلوب الناس، فتذكر أمامهم مكرمة لم يشهدوها، أو نجدة لم يسمعوا بقصتها، أو أمانة ظل صاحبها يذكرها بعد سنوات. عندها يدرك الابن أن لأبيه أثرًا حيًا في ذاكرة الآخرين، وأن بعض الميراث يصلنا محبة وثقة ودعوة صادقة.
ومع ذلك، قد نحتاج إلى زمنٍ طويل حتى نفهم وصاياهم. نستغرب الإلحاح على التمهل قبل شراكة، والتثبت قبل حكم، والصمت عند اشتداد الغضب. نحسب الأمر أبسط من كل ذلك الاحتياط، ثم تكشف لنا التجربة أن توقيعًا قد يحمل صاحبه ما لم يتوقع، وأن كلمة متعجلة قد تترك في قلب عزيز جرحًا لا يمحوه الاعتذار بسهولة.
وفي لحظةٍ كهذه، يعود صوت الأب من بين ضجيج السنين: «تمهل».
ما أقصر الكلمة يوم قيلت، وما أطول الطريق الذي قطعناه حتى فهمناها!
والوفاء لحكمة الآباء يحتاج إلى وعي يقرأها في ضوء زمانه. فلكل جيل أسئلته وفرصه، وللأبناء حقهم في الاكتشاف والاختلاف، والآباء بشر يصيبون ويخطئون. وما يستحق أن نحمله من سيرتهم هو ما استقام على العدل والأمانة والرحمة وصون الكرامة. نستطيع أن نسلك دروبًا لم يسلكوها، وأن نبلغ آفاقًا لم يعرفوها، وأن تبقى قيمهم حاضرة في الطريقة التي نصل بها، وفي الأثر الذي نتركه خلفنا.
أما عبارة «يتمنى الموت فيه»، ففيها مبالغة شعبية تصور مرارة الندم وثقل العواقب. إنها تنبه إلى أن بعض القرارات العابرة قد تخلف خسائر طويلة: ثقة تتصدع، أو رحمًا تنقطع، أو حقًا يضيع. ومع ذلك، تظل الحياة متسعة للمراجعة والإصلاح: فما دام في العمر بقية، ففيه فرصة لاعتذار صادق، وحق يرد، وخطوة تُصحح.
ثم تأتي خاتمة المثل: «ومن كذّب جرّب»، كأنها توقيع التجربة أسفل النصيحة. فالحياة قد تعيد شرح ما لم نصغِ إليه، لكن دروسها أحيانًا باهظة الثمن. ومن رجاحة العقل أن ننتفع بما تعلمه غيرنا، وأن نمنح النصيحة الصادقة حقها من التأمل قبل أن نصبح نحن أصحاب الحكاية التي يُحذر بها الآخرون.
لعل أجمل ما نفعله، وآباؤنا بيننا، أن نسألهم عن الحكايات التي تقف خلف وصاياهم: ما الذي علمهم التأني؟ وأي موقف جعلهم أشد حرصًا على حفظ الحقوق؟ ولماذا ظلوا يكررون نصيحة بعينها؟ فقد تكون العبارة التي ضقنا بتكرارها خلاصة تجربة أوجعتهم، فتمنوا ألا نذوق وجعها.
ومن رحل آباؤهم، بقي لهم أن يتأملوا سيرتهم بإنصاف ومحبة، وأن يحيوا ما تركوه من خير في معاملاتهم، وأن يصلوا من أحبوهم، ويحفظوا ما استودعوه فيهم من مروءة. فبعض الوفاء عمل صغير نؤديه اليوم، تعلمناه منهم منذ زمن.
ثم يأتي يوم نصبح فيه نحن أصحاب الوصية، ونسمع في أصوات أبنائنا شيئًا من استعجالنا القديم. نبحث عن كلمات تقنعهم، ونخشى أن يجرحهم الطريق، فنقول من حيث لا نشعر العبارات ذاتها التي سمعناها يومًا.
حينها نفهم مقدار المحبة التي كانت تختبئ في كلمة «انتبه»، ومقدار الخوف الذي حملته عبارة «لا تتعجل».
وحين نمد أيدينا لنحمي خطواتهم، نفهم أخيرًا مَشية آبائنا… ونسأل أنفسنا: أي أثر نتركه اليوم، ليطمئن أبناؤنا إلى السير عليه غدًا؟
#رب_ارحمهما_كما_ربياني_صغيرا
@EsamAzhar
