المقالات

ماذا تريدون من المملكة؟

إلى الذين اعتادوا شنّ الحملات الإعلامية العدائية على المملكة العربية السعودية، وتعمّدوا الإساءة إلى وطننا وقيادتنا وشعبنا، نقول بكل هدوء وثقة: ماذا تريدون منا؟ ولماذا تهاجمون دولة لم تتدخل في شؤونكم الداخلية، ولم تفرض عليكم خياراتها، بينما تمنحون أنفسكم حق التدخل في شؤونها، وتزييف واقعها، والتحريض على مجتمعها، والتقليل من إنجازاتها؟

لسنا ضد النقد الموضوعي، فالمملكة مثل غيرها من الدول لديها تحدياتها، وتعمل على معالجة أوجه القصور وتطوير مؤسساتها وخدماتها. والنقد المهني الصادق حقٌّ مشروع، بل قد يكون وسيلة للإصلاح. لكن ثمة فرقاً واضحاً بين نقدٍ يستند إلى الحقائق ويهدف إلى البناء، وحملةٍ منظمة تنتقي السلبيات، وتضخّم الأخطاء، وتتجاهل المنجزات، وتستخدم الشائعات والمعلومات المبتورة لإثارة الكراهية والفتنة.
لماذا تجحدون مكانة المملكة الإسلامية؟ إنها بلاد الحرمين الشريفين، وقبلة أكثر من ملياري مسلم، والدولة التي سخّرت إمكاناتها البشرية والمالية والتقنية لخدمة ضيوف الرحمن. وفي عام 2025 وحده استقبلت المملكة 19.5 مليون حاج ومعتمر من خارجها، بنسبة رضا تجاوزت 90%، وفق الأرقام الرسمية، كما بلغ عدد حجاج ذلك العام أكثر من 1.67 مليون حاج. وهذه الأعداد الهائلة لا تُدار بالشعارات، وإنما بمنظومة متكاملة من الأمن والصحة والنقل والإسكان والتقنية والخدمات الميدانية.
ولماذا تحاولون التقليل من مكانة المملكة العربية والإقليمية والدولية؟ فالمكانة لا تصنعها الحملات الدعائية، بل تؤكدها الوقائع. فالمملكة العربية السعودية عضو في مجموعة العشرين، وصاحبة حضور مؤثر في المنظمات الدولية، ودولة محورية في استقرار أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، وشريك رئيس في الجهود السياسية والإنسانية والتنموية. كما أصبحت مقراً إقليمياً لمئات الشركات العالمية؛ إذ وصل عدد الشركات التي اتخذت من الرياض مقراً إقليمياً لها إلى 675 شركة، بحسب ما أعلنه وزير الاستثمار، وهو مؤشر عملي على الثقة الدولية في مستقبل الاقتصاد السعودي.
وحين تزعمون أن ما يجري في المملكة مجرد دعاية، تجيبكم الأرقام: فقد أظهر التقرير السنوي لرؤية السعودية 2030 أن 93% من مؤشرات الأداء كانت قد تحققت أو تسير في الاتجاه الصحيح، وأن نحو 85% من مبادرات الرؤية اكتملت أو تمضي وفق المخطط. كما بلغت الاستثمارات الأجنبية المباشرة خلال عام 2024 نحو 77.6 مليار ريال. هذه بيانات قابلة للقياس والمراجعة، وليست عبارات إنشائية.
ولماذا تتجاهلون الدور الإنساني للمملكة؟ تشير إحصاءات مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية إلى تنفيذ أكثر من 4,475 مشروعاً في 113 دولة، بالتعاون مع 358 شريكاً، وبتكلفة تجاوزت 8.58 مليارات دولار. وقد وصلت المساعدات إلى شعوب مختلفة، بصرف النظر عن الدين أو العرق أو الموقف السياسي، من اليمن وسوريا وفلسطين إلى مناطق عديدة منكوبة حول العالم. فهل الدولة التي تمد يدها للمتضررين وتداوي الجرحى وتطعم الجائعين تستحق الجحود، أم تستحق التقدير والإنصاف؟
أما سؤالنا: لماذا تصطادون في الماء العكر وتبالغون في بعض أوجه القصور؟ فالجواب الافتراضي الأقرب أن الاعتراف بالإنجاز السعودي يهدم الرواية التي بنى عليها بعضهم خطابه ومصالحه. ولهذا تُنتزع واقعة من سياقها، أو يُضخَّم خطأ فردي ليصبح سمةً لمجتمع كامل، أو تُعاد مادة قديمة على أنها حدث جديد. والهدف ليس الإصلاح، بل تشكيل صورة ذهنية سلبية، واستنزاف الثقة، وحجب التحول الكبير الذي تشهده المملكة.
ولماذا تعملون على إشعال الفتنة بين المواطنين في الداخل، أو بين أبناء دول مجلس التعاون الخليجي؟ لأن وحدة المجتمع السعودي وتماسك البيت الخليجي يمثلان حاجزاً أمام مشروعات الفوضى والاستقطاب. ولذلك تحاول بعض الحملات تحويل اختلاف عابر إلى أزمة، ورأي فردي إلى موقف شعب، وحادثة محدودة إلى خصومة بين دولتين. وهي أساليب معروفة في الدعاية السياسية والحرب النفسية: التكرار، والاجتزاء، وإثارة المشاعر، وصناعة الحسابات الوهمية، ثم تقديم الضجيج الرقمي على أنه رأي عام حقيقي.
وما مكاسبكم من هذه الحملات؟ المستفيد قد يكون خصماً سياسياً يريد الضغط على المملكة، أو جماعة متطرفة يزعجها الاعتدال والاستقرار، أو جهة تبحث عن إضعاف مجلس التعاون، أو منصة تسعى إلى الأرباح من الإثارة، أو أفراداً وجدوا في الإساءة وسيلة للشهرة وجمع المتابعين. وقد تتعدد الجهات، لكن الغاية المشتركة تبقى واحدة: التشويش على صورة المملكة، وزعزعة الثقة، وإشغال المجتمع بالشائعات، والتأثير في مواقف الرأي العام.
لكن هذه الحملات تتجاهل حقيقة راسخة: المملكة لم تبنِ مكانتها في يوم واحد، ولم تحصل عليها بمنحة من أحد. مكانتها نتاج تاريخ ديني وسياسي، وثقل اقتصادي، وقيادة حكيمة، وشعب وفيّ، وخدمة متواصلة للحرمين الشريفين، ومواقف عربية وإسلامية وإنسانية يشهد بها الواقع. ومن يختلف مع سياسة سعودية معينة يملك حق التعبير الموضوعي، لكنه لا يملك حق تزوير الحقائق أو إهانة الشعب أو التحريض على الوطن.
ونقول لمن يوجّهون سهامهم إلى المملكة: إن كنتم تريدون الإصلاح، فقدموا نقداً موثقاً ومتوازناً، وسنحترم الكلمة الصادقة مهما كانت قاسية. وإن كنتم تريدون الحقيقة، فانظروا إلى الصورة كاملة، لا إلى الزاوية التي تخدم مواقفكم. أما إن كان هدفكم التحريض والإساءة وبث الفتنة، فاعلموا أن الوعي السعودي اليوم أكثر نضجاً، وأن المواطن أصبح أقدر على التمييز بين النقد والحقد، وبين الخبر والشائعة، وبين النصيحة والحملة الموجّهة.
ستواصل المملكة مسيرتها بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، حفظهما الله. وستظل أبوابها مفتوحة للتعاون والسلام، ويدها ممدودة للخير، ومواقفها ثابتة في الدفاع عن مصالحها وأمنها وسيادتها.
وفي الختام نكرر السؤال: ماذا تريدون من المملكة؟ فإذا كانت جريمتها في نظركم أنها مستقرة، ومؤثرة، ومتمسكة بسيادتها، وماضية في تنميتها، ومجتمعة حول قيادتها، وخادمة للحرمين الشريفين، فإن حملاتكم لن تغيّر الحقائق، ولن توقف مسيرتها، لأن الأوطان الكبيرة لا تقيس مكانتها بضجيج خصومها، بل بما تحققه لشعبها، وما تقدمه لأمتها وللإنسانية.

د. تركي بن فهد العيار

أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى