المقالات

ارتجافة قلب

في كل زيارة لمريض، كنت أحاول أن أقترب من وجعه، وأصغي إلى ما يقول، وأغادر وفي داخلي شيء من حزنه. لم يخطر ببالي أن يأتي يوم أكون فيه واحدا من حكاياتهم، رغم أن جسدي كان يبعث بين حين وآخر إشارات خافتة إلى ما يتشكل في أعماقه، غير أن الأطباء لم يلتفتوا إليها. كانوا يؤكدون في كل مرة أن الأمر لا يتعدى عارضا مؤقتا، فأستعيد سكينتي، حتى ظننت أن عافيتي وعد أبدي لا يغيب. ومضيت في أيامي مطمئنا، إلى أن جاء فجر لم يشبه غيره، حملني فيه الألم إلى أحد المستشفيات. كانت الشوارع خالية، والمدينة في سكونها الليلي المألوف، فيما كانت حرارة تتأجج في داخلي. لم يكن ما حدث وليد تلك اللحظة، فقد ظلت مقدماته تتراكم شيئا فشيئا، كما أخبرني الجراح لاحقا. في الطوارئ، كانت الأصوات تتداخل، والمرضى يتزاحمون، أناس يتحدثون، وآخرون يتوجسون مما قد يحدث، وعلى الكراسي الباردة كانت الأيدي تحجب وجوها لا تقوى على حبس دموعها. وسط ذلك المشهد، أخذت أنتقل من جهاز إلى آخر، فيما كان الألم يعتصرني. توالت الفحوصات، وتباطأ الزمن. وبعد ان أثقلني التعب، وجدت نفسي تحت مشرط الطبيب. كنت مستيقظا، أرى الأيدي تتحرك من حولي، وأسمع أصوات الأجهزة والكلمات المتقطعة. لم يكن ثمة متسع للتفكير في شيء يتجاوز اللحظة، فقد استأثر الوجع بوعيي كله. وبينما كان عالمي ينكمش حتى لم يعد يتجاوز ما يجري في صدري، ظل العالم في الخارج على إيقاعه المعتاد، أناس منشغلون بأعمالهم، يلاحقون أحلامهم ويخشون غدهم، دون أن يعلم أحد منهم أن في تلك الساعة انكسر إنسان في طرف المدينة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى