يُعدّ التطوير التعليمي نموذجًا حيًا لحيوية النظام التعليمي وتجدده، ومن أبرز مقومات تقدّمه ونجاحه في تحقيق رسالته وأهدافه. ولذلك عمدت الدول المتقدمة في مجال التعليم إلى إجراء التقييمات اللازمة لكافة مكونات التعليم بهدف اكتشاف نقاط الضعف والخلل ومعالجتها.
وفي هذا الإطار تجلّى اهتمام المملكة العربية السعودية بقطاع التعليم بإنشاء هيئة تقويم التعليم والتدريب عام 1438هـ، بهدف الارتقاء بمستوى التعليم وتحسين مخرجاته لمواكبة مستهدفات الرؤية الوطنية الطموحة. وتؤدي الهيئة دورًا مهمًا في التقويم وقياس الأداء التعليمي والتدريبي في مختلف قطاعات التعليم؛ دعمًا لعمليات التطوير والتحسين، مسخّرةً لذلك جهودها وإمكاناتها. كما حرصت على دعم أعمالها بالكوادر المتخصصة في القياس والتقويم، واستقطاب البارزين منهم من إدارات التعليم والجامعات للقيام بمسؤوليات قياس وتقويم الأداء التعليمي والتدريبي في مختلف القطاعات.
وقد أطلقت الهيئة عددًا من التوجهات الإستراتيجية من خلال رؤية مستقبلية تهدف إلى المساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية عبر رفع جودة التعليم وممارساته، من خلال تعليم نوعي عالي الجودة، ومناهج متطورة، وبيئة تعليمية جاذبة ومحفزة ومعززة للتعلم والإبداع، وقيادات مدرسية فاعلة، ومعلمين مؤهلين بمهارات أداء عالية. وبناءً على هذه الأدوار، تشكّل الهيئة قاعدة التطوير التعليمي ومنطلقه الرئيس، إذ تبذل قيادتها ومنسوبوها جهودًا كبيرة لتحقيق تلك التوجهات والوصول إلى الأهداف المرسومة في تطوير التعليم.
ومن خلال عمليات وأنشطة التقييم تحصل الهيئة على مخرجات سنوية متعددة الاتجاهات لنتائج التقويم، وهنا يبرز سؤال مهم: هل يتم الاستفادة من هذه المخرجات وتحويلها إلى تغذية راجعة (Feedback) تدخل ضمن مدخلات التخطيط الاستراتيجي المستقبلي للتعليم؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب مراجعة شاملة لمدى التقدم في إصلاح مكامن الخلل في النظام التعليمي ككل؛ فليس الهدف من إنشاء الهيئة مجرد إبراز المدارس المتميزة وكأن الأمر مسابقة سنوية تُمنح فيها الجوائز، بل إن المهمة أكبر من ذلك بكثير. إذ يتطلب الأمر التزام وزارة التعليم بمعالجة ما تكشفه عمليات الهيئة من نقاط ضعف، انطلاقًا من المصلحة الوطنية المشتركة، وبما يحقق التكامل بين الجهتين وتنسيق الأدوار لتحقيق الإصلاح والتقدم التعليمي.
وتعتمد معظم الأنظمة التعليمية المتقدمة على القياس والتقويم للتعرّف على نقاط القوة والضعف وبناء خططها المستقبلية على أساسها. فعلى سبيل المثال، يقوم نظام التقييم في فنلندا على مبدأ أساسي مفاده أن التقييم يجب أن يدعم التعلم لا أن يقيسه فحسب، ويؤكد النهج الفنلندي على التغذية الراجعة المستمرة، وتقنيات التقييم التكويني، والثقة الكبيرة في الحكم المهني للمعلمين، وهو ما أسهم في تحقيق نظامها التعليمي مراكز متقدمة عالميًا.
وبذلك فإن مهمة الهيئة لا ينبغي أن تتوقف عند مجرد إجراء التقييم والقياس، بل ينبغي أن تمتد إلى بناء مبادرات إصلاحية وخطط إستراتيجية لمعالجة جوانب الضعف، بحيث تكون المبادرات التطويرية مترتبة على نواتج التقويم ونابعة من مؤشراته. وبالمثل، فإن على وزارة التعليم تخصيص إدارات أو وحدات متخصصة لتفعيل نماذج ومبادرات التخطيط الإستراتيجي المبنية على نتائج التقويم، خاصة أن الدولة ـ حفظها الله ـ سخّرت إمكاناتها لدعم الإصلاح التعليمي، بما يعكس حرصها على تطوير التعليم وزيادة إسهامه في تحقيق مستهدفات الرؤية الوطنية نحو التقدم والازدهار.
إن تصميم المبادرات والبرامج التطويرية في صورة خطط تشغيلية واضحة تتفق مع طموحات الدولة والمجتمع يُعدّ أقوى مبرر لوجود الهيئة ودورها المنتظر في تطوير التعليم والتدريب، والارتقاء بأساليب الأداء ومهاراته. ويتطلع المجتمع السعودي إلى أن يرى الهيئة وقد نجحت في أداء دور بارز في توظيف نتائج التقويم بما يحقق للتعليم قفزات نوعية في سلم التصنيفات العالمية لجودة التعليم، وتحسين مهارات مخرجاته في مختلف المراحل، وتطوير محتويات المقررات الدراسية بما يتوافق مع وظائف ومهارات المستقبل، وإدخال أحدث أساليب التعليم والتدريب، وتطوير الكوادر التعليمية في جميع مستوياتها، انطلاقًا من أهمية التطوير التعليمي وضرورته.






