المقالات

الشرطة السعودية توزع الابتسامة على الحجاج

في مشهد يتجاوز الوصف، وتحت لهيب الشمس وضجيج الملايين، تقف الشرطة السعودية في منى، عند ذروة الزحام وقمة التعب، لتقدّم نموذجاً فريداً في التعامل الإنساني، إنهم ليسوا رجال أمن فقط، بل سفراء لأخلاق هذا البلد، يوزعون الابتسامة قبل أن يوزعوا الأوامر، ويبادرون بالترحيب قبل أن يطلبوا الالتزام، ما لفت نظري وأنا أتابع مشاهد الحج هذا العام، هو ذلك الرجل المرتدي الزي العسكري، الذي انشغل بالتنظيم إلى أقصى درجة، ومع ذلك كان قلبه منشغلاً بالحاج، في لحظات الذروة، وعند أشد نقاط الازدحام في جسر الجمرات، كان أحد أفراد الأمن يبتسم في وجه حاج منهك، ويمسح على كتف آخر خائف، ويقول لهم جميعاً، “عيدكم مبارك”، إنها ليست مجرد كلمة عابرة، إنها رسالة تطمئن القلوب المرهقة، وتذكّر الحاج الذي قطع آلاف الأميال أنه ليس وحيداً، “عيدكم مبارك” في زحام منى، تحمل من المعاني أكثر مما تحمله في أي مكان آخر، إنها تعني، أنتم أمانة في أعناقنا، وفرحتكم عيد لنا، وراحتكم هي غايتنا.

هذا المشهد يكسر الصورة النمطية التي قد يراها البعض عن رجال الأمن في المواسم الكبرى، هم ليسوا مجرد أرقام أو حواجز، بل بشر يدركون أن الحاج يحتاج إلى كلمة طيبة كما يحتاج إلى ماء وطريق آمن، إنها شرطة بملامح أبوية، تتفنن في خدمة ضيوف الرحمن بلغة البسمة قبل لغة القوانين، في اللحظة التي تظن أن انشغالهم بالتنظيم سيجعلهم جدراناً صامتة، تفاجئهم ابتسامة صادقة وعبارة تهنئة حارة، تذيب التعب من قلوب الحجاج، هناك من يجهل الطريق، فيجد الشرطي مرشداً ودوداً، وهناك من أصيب بالإرهاق، فيجد الشرطي مسعفاً مبتسماً، وهناك من ضاع في الزحام، فيجد الشرطي أماناً يعيده إلى مخيمه.

هذا الأسلوب في التعامل ليس وليد الصدفة، بل هو ثقافة راسخة في منهج رجال الأمن السعوديين أثناء الحج، إنهم يُدرَّبون على أن الحاج ضيف والوطن مضيف، والضيافة تبدأ بابتسامة، يدركون أن ابتسامة شرطي في لحظة يأس، قد تكون سبباً في أن ينتهي حج الحاج بخشوع وسلام، لا بضيق وتعب، في النهاية، نخرج من هذه المشاهد الإنسانية بعبرة عظيمة، إن الأمن الحقيقي لا يُبنى بالحواجز والصلابة فقط، بل يبنى أيضاً بالابتسامة والكلمة الطيبة، فتحية إكبار وتقدير لكل شرطي سعودي، ترك بصمة حب في قلوب الحجاج، وجعل من “عيدكم مبارك” في زحام منى، أجمل هدية عيد يتلقاها ضيوف الرحمن، عيد مبارك لكل الحجاج، وكل عام ورجال الأمن السعودي بخير.

الحادي عشر من ذي الحجة ١٤٤٧هـ، ٢٨ مايو ٢٠٢٦م.

المطيع محمد أحمد السيد

المدير الأسبق للحج والعمرة-السودان،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى