«جواهريات» ..
..ذلك اليقين الذي يومض في المدى .. جاءني ورَمقني بعدما جالستُ مذكرات المفكر الإسلامي والمناضل الكبير الرئيس السابق للبوسنة والهرسك علي عزت بيجوفيتش .. و أقول : لا أحد يجرؤ على سجن العقول، أقولها حقًا ويقينًا وجلاءً، لا سجنٌ يسجنُ العقلَ مادام المرء أطلق له الرِحاب وجاب ما جاب وأتى بما أتى ذهابًا وإيابًا.
لا احد يستطيع أن يسجن العقل وإن كانت القوة غاشمة، فالمرء داخل عقله حرٌ طليق وإن تكالبت حوله كل القيود، ولا قوة أقوى من قوةٍ اتحدت في نفس صاحبها واحتدمت مع الخارج فغلبته.
يقول علي عزت بيجوفيتش
( كنت أحاول أحيانًا أن أخترق بخيالي بعض الحجب والأسرار الكونية الكبرى، فأركز على قضية بعينها تركيزًا شديدًا لفترة طويلة حتى أشعر وكأنني اقترب من بعض الحقائق الكونية التي طالما حيرتني، وراوغت عقلي فإذا بي أراها في متناول إدراكي وكأنها نافذة انفتحت أمامي )
كان متكيفًا مع المناخ الجديد، يسجل تأملاته وملاحظاته عن الدين والسياسة والمصير، وعن الكتب التي قرأها وعن مؤلفيها،حتى اتسع به الحال وخرج من ضيق السجن إلى رحابة العقل، وألف كتابه العظيم ( الإسلام بين الشرق والغرب) .
ومما سلف يتراءى أمام ناظر كل متأمل ،كيف هي المقدرة على التكيف مع الحدث و جعل الكينونة الخاصة هي أقوى وأشد حضورًا، فيعيش المرء ويتعايش مع داخله ويركز في مضامينه تركيزًا قوي الجانب، حتى تضعف المؤثرات الخارجية ويضمحل تأثير المحيط المعتم؛ فهو أمام قوة النور الداخلي واليقين العالي، واستطاع بذلك أن يُقزّم كل ما حوله، فكل ما يساوره ماديًا هو نزرٌ ضئيل مما يسكن في جوفه ويمتد على امتداد ثقته بعقله ومَعين فِكره.
المكوث طويلًا مع مذكرات الأعلام السابقين والمفكرين وأصحاب العقول الجليّة الجليلة والله إنها تقطع لنا أميالًا وتهدي لنا تجاربًا وأيامًا عاشوها وأحداثًا خاضوها،الفطِن من تفطَّن لها وقلَّب صفحات أيامهم، وتفرّغ يقرؤها ويشاهدها؛ لتُغدق عليه وابل الفِكر وعظيم الأثر.


