المقالات

عبدالله الزهراني وصحيفة مكة: حكاية وفاء ورؤية تتجاوز الخبر

بعض الناس يمرون في حياتنا كأصدقاء، وبعضهم يمرون كزملاء عمل، وقلة منهم يتركون أثرًا يتجاوز حدود الصداقة والعمل ليصبحوا جزءًا من محطات التحول في مسيرتنا الفكرية والإنسانية. ومن هؤلاء الذين أعتز بمعرفتهم وأفتخر بأخوتهم الأستاذ عبدالله أحمد الزهراني.

وقد سعدت كما سعد كثيرون بخبر تكريمه بدرع التميز المكي، لأنني كنت على يقين أن هذا التكريم لم يأت من فراغ، وإنما جاء تتويجًا لمسيرة طويلة من العمل والإخلاص والرؤية الواضحة.

عرفت الأستاذ عبدالله إعلاميًا متميزًا، لكنني عرفته قبل ذلك إنسانًا نبيلًا وصديقًا وفيًا وصاحب مشروع يؤمن بأن الإعلام رسالة قبل أن يكون مهنة. ولعل أكثر ما يلفت النظر في شخصيته أنه يمتلك قدرة نادرة على رؤية الإمكانات الكامنة في الأفكار والأشخاص قبل أن تتجلى للعيان.

وأذكر موقفًا لا يزال حاضرًا في ذاكرتي كلما ذُكرت صحيفة مكة أو ذُكر اسم الأستاذ عبدالله. كنت في إحدى الأمسيات أتحدث معه عبر مكالمة مرئية من لندن، وفتحت له الكاميرا لأريه بعض المشاهد اليومية التي اعتدت رؤيتها في مدينة الضباب؛ شوارعها، وحدائقها، ومكتباتها، وأسواقها، وتفاصيل الحياة فيها.

وبينما كنا نتحدث قال لي فجأة: “لماذا لا تكتب يوميات لندن؟”

كانت بالنسبة لي فكرة عابرة، بل لم أكن أتصور أصلًا أن الحياة اليومية في لندن يمكن أن تتحول إلى مشروع ثقافي أو صحفي. لكن الأستاذ عبدالله رأى ما لم أره. رأى أن خلف هذه المشاهد حكايات إنسانية وثقافية تستحق أن تُروى، وأن القارئ العربي قد يجد فيها نافذة لفهم مدينة تعد واحدة من أكثر مدن العالم تأثيرًا وتنوعًا.

بدأت السلسلة في صحيفة مكة، ثم بدأت تكبر شيئًا فشيئًا. وكلما نُشر مقال ازداد يقيني أن الفكرة كانت أعمق مما ظننت في البداية. ومع مرور الوقت تحولت “يوميات لندن” من مقالات صحفية متفرقة إلى مشروع ثقافي متكامل، ثم إلى كتاب يحمل ذاكرة سنوات طويلة من الحياة والتجربة والتأمل.

وأقولها اليوم بكل امتنان: ما كنت أظن يومًا أنني سأؤلف كتابًا عن تجربتي في لندن، ولله الفضل أولًا وآخرًا، ثم للأستاذ عبدالله الزهراني الذي كان صاحب الشرارة الأولى وصاحب الرؤية التي أبصرت ما لم أبصره في حينه.

هذه القدرة على اكتشاف الفرص وصناعة المشاريع ليست أمرًا عابرًا في شخصية الأستاذ عبدالله، بل هي جزء من تكوينه الفكري والإداري. فهو لا يكتفي بإدارة مؤسسة إعلامية ناجحة، وإنما يعمل على صناعة الأفكار ورعاية المواهب وفتح الأبواب أمام المشاريع التي قد تغير حياة أصحابها ومساراتهم.

ولذلك لم تكن صحيفة مكة بالنسبة لي مجرد صحيفة أنشر فيها مقالاتي. لقد كانت منصة للفكر والحوار والتواصل مع القراء في مختلف أنحاء العالم العربي والإسلامي. وكانت أيضًا مدرسة تعلمت فيها أن الكلمة الجيدة تستطيع أن تعبر الحدود والجغرافيا وأن تصل إلى القلوب قبل العقول.

وأقولها بكل فخر واعتزاز: إنني أتشرف بأن أكون أحد كتّاب صحيفة مكة. وحين تم اختياري ضمن قائمة “أكثر 500 مسلم تأثيرًا في العالم” في سنوات متتالية، حرصت في التعريف المختصر بي أن يُذكر أنني كاتب في صحيفة مكة. لم يكن ذلك مجاملة، بل كان تعبيرًا عن الامتنان لهذه المؤسسة الإعلامية التي آمنت بالكلمة الجادة، وفتحت أبوابها للكتّاب والباحثين والمفكرين.

ولعل ما يميز صحيفة مكة أنها لم تكتف بأن تكون صحيفة محلية ناجحة، بل سعت إلى أن تكون نافذة عالمية تحمل صوتًا عربيًا وإسلاميًا متزنًا إلى العالم. وقد كان للأستاذ عبدالله الزهراني دور محوري في هذا التحول، من خلال إيمانه بالتطوير المستمر، وحرصه على استقطاب الأقلام النوعية، وإدراكه المبكر للتحولات الكبرى في عالم الإعلام الرقمي.

إن الحديث عن الأستاذ عبدالله هو في جانب منه حديث عن صحيفة مكة، كما أن الحديث عن صحيفة مكة هو حديث عن رجل آمن بها وأفنى سنوات عمره في بنائها وتطويرها حتى أصبحت اسمًا حاضرًا في المشهد الإعلامي العربي.

ولهذا فإن تكريمه اليوم هو تكريم لكل قيمة جميلة يمثلها: الإخلاص، والوفاء، والرؤية، والعمل الجاد، والإيمان بالإنسان وبقدرته على صناعة الفرق.

فألف مبارك لأخي وصديقي الأستاذ عبدالله أحمد الزهراني هذا التكريم المستحق، وألف مبارك لصحيفة مكة هذا الإنجاز، وألف مبارك لكل من يؤمن بأن الكلمة الصادقة لا تموت، وأن الإعلام حين يقترن بالرسالة يصبح أحد أعظم أدوات البناء والتغيير.

أسأل الله تعالى أن يبارك في عمره وعمله، وأن يكتب له مزيدًا من النجاح والتوفيق، وأن يبقى كما عرفناه دائمًا: صاحب رؤية يرى ما وراء الأفق، وصاحب قلب يتسع للناس، وصاحب رسالة يؤمن الكلمة أمانة ومسؤولية قبل أن تكون مهنة.

• الأمين العام للمجلس الأوروبي للهيئات والمراكز الإسلامية

أ.د. فايد محمد سعيد

عضو المجلس الأوروبي للقيادات المسلمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى