المقالات
أخر الأخبار

قيادة التغيير في المؤسسات التعليمية

قراءة في كتاب "Our Iceberg Is Melting"

  من النادر أن تبدأ التحولات الكبرى في المؤسسات بحدث صادم أو أزمة مفاجئة؛ فالأغلب أن التغيير الجذري ينشأ من مؤشرات صغيرة ومتكررة تتراكم بهدوء خلف الستار، تماماً كالتصدعات الطفيفة التي تصيب أساسات المبنى لسنوات قبل أن ينكشف الشرخ الواضح الذي يستدعي التدخل العاجل.

     وفي البيئة التعليمية، تظهر هذه التصدعات في صورة فتور دافعية المعلمين، وتراجع الحس المهني، واتساع فجوات نواتج التعلم، أو استمرار ممارسات تقليدية لم تعد تواكب تحولات الواقع. وبين الإنذار المبكر للمشكلة والاعتياد الذي يُبلد الإحساس بها، تبرز الحاجة إلى الاستجابة الواعية قبل فوات الأوان، وهنا تحديداً تتجلى قيمة الكتاب الشهير “جبلنا الجليدي يذوب” (Our Iceberg Is Melting) لجون كوتر وهولجر راثجبر.

      لا يقدم هذا الكتاب مجرد قصة رمزية مسلية عن جماعة من البطاريق تواجه ذوبان موطنها، بل يطرح استعارة دقيقة لوضع المؤسسات التي تؤجل مراجعة واقعها حتى يصبح التغيير خياراً قسرياً. وتكمن القيمة الحقيقية للكتاب في تحويل السرد القصصي إلى مدخل تطبيقي مبسط يشرح نموذج كوتر الشهير في قيادة التغيير بمراحله الثماني، فهو يساعد التربويين على فهم كيفية نشأة الأزمات الخفية، والتنبؤ بردود الفعل الرافضة داخل المؤسسة، وكيفية تحويل القلق الجماعي إلى رؤية مشتركة تقود نحو الحل الناجح.

     ولم يكن بناء شخصيات البطاريق في القصة عشوائياً، بل جاء ليجسد أنماطاً بشرية تتكرر في كل بيئة عمل؛ حيث نجد “فريد” المستكشف الذي يستشعر الخطر مبكراً، و”أليس” المحركة التي تمتلك الجرأة لتحريك المياه الراكدة، و”لويس” القائد الرصين الذي يتحمل عبء القرار، بينما يمثل “البروفيسور” العقل التحليلي الذي يقرأ الوقائع بالأرقام والعمق العلمي، في حين يجسد “بادي” روح المساندة العملية والقدرة على التنفيذ في الميدان، وأخيراً يظهر “نونو” ليمثل منطق التوجس والرفض لكل ما هو غير مألوف. إن هذه الأنماط البشرية تحضر يومياً بأسماء مختلفة في مدارسنا بين ثنايا الإدارة ومكاتب المعلمين وفرق التطوير والتحسين.

     إن التغيير في السياق التربوي ليس قراراً لحظياً بل مسار منظم يتطلب شروطاً نفسية وتنظيمية، يبدأ أولاً بالتهيئة وبناء الوعي من خلال خلق شعور حقيقي بالإلحاح يعترف بمواطن الضعف دون الاحتماء بمظاهر الاستقرار الخادعة، يليه تشكيل تحالف قيادي قوي ومتجانس يضم الإدارة والمعلمين والمبادرين لتحمل المسؤولية معاً. وتنتقل المؤسسة بعد ذلك إلى مرحلة التخطيط والتوجيه عبر صياغة رؤية استراتيجية واضحة تمنح التغيير معناه وتحدد وجهته المستقبلية، مع الحرص على توصيل هذه الرؤية بلغة بسيطة ومتداولة تتبناها القواعد التعليمية وتتحول تدريجياً إلى ممارسة يومية مستمرة.

     وعند الانتقال إلى مرحلة التمكين والتنفيذ، يصبح من الضروري إزالة العقبات التنظيمية ومنح المعلمين المساحة والثقة لتجريب أساليب جديدة، بالتوازي مع التخطيط لتحقيق مكاسب وإنجازات قصيرة المدى لكونها تبني الثقة، وتكسر الشك، وتولد الزخم اللازم للاستمرار. وأخيراً، تتوج هذه الجهود بمرحلة المؤسسية والاستدامة، حيث يتم البناء على النجاحات الأولى لتوسيع نطاق التحول ليشمل السياسات والممارسات بأكملها، مما يسهم في ترسيخ الثقافة الجديدة وتحويل التغيير من مجرد مشروع مؤقت إلى عادة مؤسسية مستقرة تنعكس في سلوك المدرسة اليومي.

      إن القوة الحقيقية لكتاب “جبلنا الجليدي يذوب” تكمن في قدرته على تبسيط أعقد نظريات الإدارة دون الإخلال بعمقها، فهو يضع أمام المؤسسة التعليمية مرآة نقدية تكشف ما تحت سطح الاستقرار الزائف، ويذكرنا بأن الخطر الحقيقي لا يبدأ حين يراه الجميع، بل حين نعتاد ملامحه فلا نعد ننتبه إليه. وهنا يظل السؤال مفتوحاً وموجهاً لكل قائد وتربوي ليكون بداية لعمل حقيقي: ما الذي يذوب بصمت في بنية مدرستنا اليوم؟ وأي خطوة أولى ينبغي أن نتخذها الآن قبل أن يصبح الغد متأخراً؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى