
لا تزال عقلية بعض الساسة مغرقة في العمل في بيئات التخريب، وشعارهم: خَرِّب أكثر.
دولٌ نحسبها شقيقة تمادت في ذلك المسار، بل قد تتفوق فيه، فهي لا يلذ لها إلا إيذاء الأشقاء، وكأنها تمضي مع ما قاله الشاعر الكبير طرفة بن العبد:
«وظلم ذوي القربى أشد مضاضةً
على المرء من وقع الحسام المهند».
ورحم الله الحسام المهند الذي كان يراعي في الخصومة، فعندما تشتد تكبحه الشيمة وأخلاق الرجال، وإن جُرِّد فهو في وضح النهار؛ لا غدر ولا طعن من الخلف.
أما الآن فأصبح الطعن من كل اتجاه، وليس بمهند مقابل آخر، ولكن بكل أسلحة الخيانة، ما عدا ساحة المعارك الشريفة التي لا يعرفها إلا الرجال الأكارم الذين إذا قالوا صدقوا، وإذا عاهدوا وفوا.
ولنأخذ مثالاً الجنوب اليمني.
فمنذ أن قام الحوثي باستهداف الجنوب بحملته في غفلة من التاريخ، وكاد يحتل مناطق من الجنوب بما فيها عدن، أعلنت السعودية عاصفة الحزم، وأوقفت زحفه في مناطق من الشمال ومن الجنوب، وفي المقدمة عدن، وهي أيضاً العاصمة اليمنية المؤقتة لليمن ككل. وبالتالي تسنى للجنوب الاستقرار الميداني والسياسي.
وفي هذه المعركة لم نسمع ولم نرَ أي جهد يُذكر لعيدروس الزبيدي، ولا طبعاً للمجلس الانتقالي، فقد كان إما مختبئاً أو يدعي وصلاً بليلى أنه شارك، ولكن أين الثرى من الثريا؟ فالسعودية تحملت أعباء تلك المهمة العسكرية والمالية، والتي كلفت الدولة المليارات، وربما لا يأتي ذكرها على لسان المحبين قبل من يسعى في الأرض فساداً.
وبعد أن تمت المهمة، استغل الزبيدي وشلته ذلك في صب الزيت على النار، فكل همه كان العمل من تحت الطاولة لتسليح المكوّن الانتقالي، حتى يستغله في وقت ما ليقوم بفعلته، فهاجم سيئون وحضرموت، وتسبب في قتل الأبرياء، وهم يمنيون، ولم يرعِ لا الذمة ولا دماء الأقارب.
ورغم ذلك تدخلت المملكة لرأب ذلك الصدع، وقامت بجهودها التي تراعي حفظ الدماء اليمنية، وتدخلت في وساطات لنزع ذلك الفتيل وطمأنة الجميع بأن المسألة الجنوبية في صلب الجهد السياسي لإنهاء أزمة اليمن ككل، ولكن بالعقل والحكمة وبالتوافق، دون فتن أو اقتتال.
لم يطب ذلك لعيدروس ومن خلفه، الذين كما قلنا لا يهنأ لهم إلا الإمعان في التخريب، رغم استضافة المملكة للمكونات الجنوبية لإيجاد الحلول السلمية وحفظ الحقوق. وحضر الشرفاء إلى الرياض للتشاور، والأمر لا يوجز في أيام، فهذا مصير وطن كبير يتعلق بكل الأطراف.
وكالعادة، وعد الزبيدي وأخلف، بأوامر من الجماعة التي فوق، والذين لا يضمرون خيراً للآخرين، فادعى أنه سيحضر ثم هرب في ليلٍ أظلم، كما فعل الكثير من الطغاة ومدعي البطولات، فتنكر ومضى على متن قارب صيد إلى صوماليلاند، التي هي جزء من تلك المؤامرات وترتبط بإسرائيل وربائبها، ثم وصل إلى المكان المعلوم.
وتناسى مؤيدوه ما قامت به المملكة. ونترك جانباً كل ما تحملته، ولكن لو كان هناك عرفان بالجميل لكان إنقاذ الجنوب من هيمنة الحوثي كافياً.
أذكّر بذلك كل من يتشدق بنصرة الجنوب، ويصوّر الزبيدي بأنه البطل المنقذ، مع أن سيرته واضحة في استغلال موقعه في المجلس الانتقالي، ومن قبل أيضاً عندما كان محافظاً لعدن. وتلك السيرة معروفة من حيث الإثراء غير المشروع واستبداده في التعامل مع خصومه، وقد تولى بعض المحللين بالأدلة تناول ذلك.
أخيراً، هل سيستوعب من هو وراء تلك الفتن أن اليمن يحتاج إلى التوافق والاستقرار اللذين ترعاهما السعودية بقيادة حكيمها الملك سلمان، ورعاية رجل المهمات الصعبة الأمير محمد بن سلمان؟ أم ستظل تلك الجهات تعمه في غيها، وشعارها: «أنا ومن ورائي الطوفان»، وعلى قول المثل: «أخربها وأجلس على تلها أتفرج وأستمتع»، وخاصة أن شواهد ذلك حاضرة فيما يحدث في عدة أماكن معروفة للجميع؟
أتوقع أنه لا جديد فمن شب علي شئ شاب عليه.



