
المؤشر الوطني للذكاء الاصطناعي الذي طورته الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا»، بوصفه إطارًا يقيس مستوى الجاهزية المؤسسية، ويتابع تقدم الجهات، ويحدد جوانب القوة والفجوات، ويقدم توصيات تدعم تبني حلول فعالة ومستدامة.
وقد استعرض تقرير دولي مشترك صادر عن مايكروسوفت وأكسنتشر المؤشر السعودي بوصفه دراسة حالة ضمن محور أمن الذكاء الاصطناعي والثقة الوطنية، موضحًا أنه يقوم على ثلاث ركائز رئيسة وسبعة أبعاد و23 مجالًا فرعيًا، وشارك في دورة التقييم الأولى أكثر من 180 ممثلًا للجهات الحكومية.
من إطلاق المبادرات إلى قياس النضج
أُطلق المؤشر في يوليو 2025 لقياس جاهزية الجهات الحكومية لتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، ومتابعة تقدمها بصورة دورية، وتقديم توصيات استراتيجية وعملية تساعدها على تطوير قدراتها.
ولا يُعد المؤشر ترتيبًا دوليًا للدول، ولا يقتصر على مقارنة عدد المشروعات بين الجهات؛ بل يقيس مستوى نضج التبني المؤسسي، ومدى توافر الأساس الذي يسمح باستخدام الذكاء الاصطناعي بصورة مستدامة ومسؤولة.
وبحسب الإطار الرسمي، يقوم المؤشر على ثلاث ركائز مترابطة:
- التوجهات: وتشمل الاستراتيجية والحوكمة.
- الممكنات: وتشمل البيانات والبنية التحتية والقدرات البشرية.
- المخرجات: وتشمل التطبيقات والأثر المؤسسي.
وتتوزع هذه الركائز على سبعة أبعاد رئيسة و23 مجالًا فرعيًا تغطي الجوانب الاستراتيجية والتنظيمية والتقنية والتشغيلية والبشرية.
لماذا لا يكفي امتلاك تطبيق ذكي؟
قد تتمكن الجهة من شراء نظام يعتمد على الذكاء الاصطناعي، أو إطلاق مساعد رقمي، لكنها لا تصبح بذلك جاهزة مؤسسيًا.
فالجاهزية تحتاج إلى إجابات واضحة عن مجموعة من الأسئلة:
هل يرتبط التطبيق بأهداف الجهة وأولوياتها؟
هل البيانات المستخدمة دقيقة ومحدثة ومصرحًا باستخدامها؟
من يتحمل مسؤولية قرارات النظام؟
كيف تُراجع النتائج الخاطئة أو المتحيزة؟
هل توجد كفاءات قادرة على تشغيل النموذج وتقييمه؟
وما الأثر الذي أحدثه التطبيق في جودة الخدمة أو كفاءة الإنفاق؟
ولهذا يجمع المؤشر بين ما تخطط له الجهة، وما تملكه من ممكنات، وما تحققه فعليًا من تطبيقات ونتائج؛ حتى لا يتحول التبني إلى مشروعات تقنية منفصلة عن الأداء المؤسسي.
الذكاء الاصطناعي طبقة في البنية الوطنية
يرى د. عبدالرحمن المهيدب، الباحث في الذكاء الاصطناعي وأمن المعلومات، أن أهمية المؤشر تتصل بتحول أوسع في طريقة تعامل الدول مع الذكاء الاصطناعي؛ إذ لم يعد مجرد أداة لتحسين بعض الإجراءات، بل أصبح طبقة أساسية في البنية الرقمية التي تقوم عليها الخدمات العامة والقرارات وتخصيص الموارد.
ويؤكد المهيدب أن بناء القدرة الوطنية يحتاج إلى الربط بين الحوسبة والبيانات والحوكمة والأمن، بحيث تعمل تطبيقات الذكاء الاصطناعي ضمن بيئة مؤسسية واضحة، لا بوصفها برامج تجريبية معزولة.
ويلخص دلالة المؤشر بقوله:
«المؤشر لا يقيس استخدام الأدوات فقط، بل يكشف مدى تحول الذكاء الاصطناعي إلى قدرة مؤسسية آمنة، محكومة بالبيانات، وقابلة لقياس أثرها».
ويعني ذلك أن ارتفاع جاهزية الجهة لا يرتبط بشراء المزيد من الأنظمة، وإنما بقدرتها على إدارة دورة حياة الذكاء الاصطناعي كاملة، من اختيار المشكلة وجمع البيانات إلى التشغيل والمراقبة والمساءلة.
الحوكمة قبل التوسع
تحتل الحوكمة موقعًا أساسيًا في قياس النضج؛ لأن استخدام الذكاء الاصطناعي داخل الجهات الحكومية قد يؤثر في قرارات وخدمات وحقوق ومعلومات حساسة.
وتشمل الحوكمة المطلوبة:
- تحديد المسؤوليات والصلاحيات.
- اعتماد سياسات للاستخدام المسؤول.
- توثيق مصادر البيانات.
- مراقبة أداء النماذج.
- التحقق من الدقة والإنصاف.
- إدارة المخاطر قبل التشغيل وبعده.
- توفير مسارات للمراجعة البشرية.
- الامتثال لمتطلبات حماية البيانات والأمن.
ويرى المهيدب أن شفافية الخوارزميات وإدارة المخاطر لا ينبغي أن تبقيا مبادئ نظرية، بل يجب تحويلهما إلى متطلبات قابلة للاختبار والقياس داخل عمليات شراء الأنظمة وتشغيلها وتطويرها.
وهنا تبرز وظيفة المؤشر؛ إذ ينقل الحوكمة من وثائق عامة إلى عناصر تُراجع ضمن مستوى الجاهزية المؤسسية.
البيانات أصل سيادي
تعتمد فعالية أي نموذج ذكاء اصطناعي على جودة البيانات التي يتعلم منها ويستخدمها. وقد ينتج النظام قرارات ضعيفة أو منحازة عندما تكون البيانات ناقصة أو قديمة أو غير ممثلة للواقع.
لكن القضية لا تتوقف عند الجودة؛ إذ ترتبط أيضًا بمكان تخزين البيانات، والجهات التي تستطيع الوصول إليها، وكيفية استخدامها ومشاركتها.
ويشير المهيدب إلى أن ملكية البيانات والاستقلال الخوارزمي أصبحا من عناصر حماية الاقتصاد والخدمات العامة، وأن البيانات الحكومية لا ينبغي التعامل معها بوصفها ملفات تشغيلية متفرقة، بل أصلًا وطنيًا يحتاج إلى حوكمة وأمن وضوابط وصول واضحة.
ومن هذا المنظور، تقيس الجاهزية الحقيقية قدرة الجهة على:
- معرفة البيانات التي تمتلكها.
- تقييم جودتها وصلاحيتها.
- تحديد تصنيفها وحساسيتها.
- التحكم في الوصول إليها.
- تتبع استخدامها داخل النماذج.
- منع تسربها أو توظيفها خارج الغرض المحدد.
- الاحتفاظ بسجل يمكن مراجعته عند وقوع خطأ.
أمن النموذج لا يقل عن أمن الشبكة
تتوسع مخاطر الذكاء الاصطناعي إلى ما يتجاوز الاختراق التقليدي للشبكات؛ إذ يمكن استهداف البيانات المستخدمة في التدريب، أو التلاعب بمدخلات النموذج، أو دفعه إلى إنتاج استجابات غير آمنة، أو سرقة المعلومات الحساسة من خلال الأوامر.
ويدعو المهيدب إلى التعامل مع أمن الذكاء الاصطناعي منذ مرحلة التصميم، باستخدام ضوابط وصول دقيقة، واختبارات إجهاد، ومراقبة مستمرة للنماذج، وفصل البيانات الحساسة، والتحقق من مكونات الأنظمة ومورديها.
كما يطرح أهمية تطبيق مبادئ الثقة المعدومة؛ بحيث لا يُمنح أي مستخدم أو نظام صلاحية دائمة لمجرد وجوده داخل الشبكة، وإنما يجري التحقق من الهوية والصلاحية والسياق في كل عملية وصول إلى البيانات أو النماذج.
المؤشر أداة لصناعة القرار
لا تقتصر فائدة نتائج المؤشر على معرفة مستوى كل جهة؛ إذ يمكن استخدامها في توجيه الموارد وتحديد الأولويات.
فعندما تكشف النتائج عن تقدم في التطبيقات مقابل ضعف في جودة البيانات، تصبح الأولوية تحسين البيانات بدل إطلاق مشروعات إضافية. وإذا أظهرت جاهزية تقنية مرتفعة مع نقص في الكفاءات، يمكن توجيه الاستثمار إلى التدريب والاستقطاب وبناء الفرق.
كما يستطيع صانع القرار استخدام النتائج في:
- تحديد الفجوات المشتركة بين الجهات.
- توجيه برامج الدعم والتمكين.
- ترتيب الأولويات الاستثمارية.
- تطوير السياسات والأطر التنظيمية.
- قياس التقدم بين دورة وأخرى.
- معرفة القطاعات الأكثر استعدادًا للتوسع.
- ربط التمويل بالجاهزية والأثر المتوقع.
ويؤكد التقرير الدولي أن المؤشر يقدم تقييمًا شاملًا لنضج الذكاء الاصطناعي، ويساعد الجهات على تطوير حلول مبتكرة ومرتفعة الأثر، بما يدعم الأداء المؤسسي والتحول الحكومي.
من الدرجة إلى خطة التحسين
الخطر في أي مؤشر هو أن يتحول الحصول على درجة مرتفعة إلى غاية مستقلة، بينما تتمثل قيمته الأساسية في تطوير الأداء.
لذلك ينبغي أن تُترجم النتائج إلى خطة تنفيذية تحدد:
- الفجوة التي تحتاج إلى معالجة.
- الجهة المسؤولة عنها.
- الموارد والميزانية المطلوبة.
- الجدول الزمني للتحسين.
- مؤشرات الأداء والنتائج.
- المخاطر المرتبطة بالتنفيذ.
- موعد إعادة القياس والتحقق.
فالجهة التي توثق سياساتها دون تطبيقها لا تحقق نضجًا حقيقيًا، كما أن كثرة حالات الاستخدام لا تعني النجاح إذا لم تنعكس على جودة الخدمات أو سرعة الإنجاز أو خفض التكلفة أو دقة القرار.
مرصد للموثوقية والمرونة
إلى جانب عرضه المؤشر السعودي، اقترح تقرير مايكروسوفت وأكسنتشر أن تعمل الحكومات خلال الأعوام الثلاثة المقبلة على إنشاء مرصد وطني لموثوقية الذكاء الاصطناعي ومرونته.
ويتولى المرصد المقترح تقييم موثوقية الأنظمة وأمنها وأثرها المنظومي، ورصد المخاطر الناشئة، واختبار تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحساسة، ومتابعة الحوادث، وتحديث معايير المساءلة والضمان.
ويتكامل هذا المقترح مع وظيفة المؤشر؛ فالمؤشر يقيس مستوى الجاهزية والنضج، بينما يضيف المرصد مراقبة مستمرة للمخاطر والنتائج بعد تشغيل الأنظمة.
خمس أولويات للمرحلة المقبلة
تقود قراءة المؤشر ورؤية د. عبدالرحمن المهيدب إلى خمس أولويات عملية:
- ربط الذكاء الاصطناعي بأهداف الجهة بدل إطلاق تطبيقات منفصلة عن احتياجاتها.
- رفع جودة البيانات وحوكمتها قبل التوسع في بناء النماذج.
- إدماج الأمن والخصوصية في التصميم وليس بعد اكتمال المشروع.
- قياس الأثر الفعلي في الخدمات والقرارات والكفاءة، إلى جانب قياس عدد التطبيقات.
- المراجعة المستمرة للنماذج لأن دقتها ومخاطرها قد تتغير بعد التشغيل.
الخلاصة
يحوّل المؤشر الوطني للذكاء الاصطناعي التبني الحكومي من سباق لإطلاق الأدوات إلى مسار مؤسسي يمكن قياسه وتطويره.
فهيكله القائم على التوجهات والممكنات والمخرجات يختبر ما إذا كانت الجهة تملك استراتيجية وحوكمة، وبيانات وبنية وكفاءات، ثم يقيس ما أنتجته هذه العناصر من تطبيقات وأثر.
وتوضح قراءة د. عبدالرحمن المهيدب أن القيمة الأعمق للمؤشر تتمثل في بناء ذكاء اصطناعي سيادي وآمن؛ يخضع للحوكمة، ويحمي البيانات، ويكشف المخاطر، ويوجه الموارد بناءً على الأدلة.
فالجاهزية لا تعني امتلاك نموذج ذكي فقط، بل امتلاك المؤسسة القادرة على توجيهه ومراجعته وتأمينه وتحمل مسؤولية نتائجه.
«المؤشر لا يقيس استخدام الأدوات فقط، بل يكشف مدى تحول الذكاء الاصطناعي إلى قدرة مؤسسية آمنة ومحكومة بالبيانات».
«البيانات والقدرات الحاسوبية أصبحت جزءًا من البنية الوطنية التي تقوم عليها الخدمات والقرارات».
«حوكمة الخوارزميات يجب أن تتحول من مبادئ عامة إلى ضوابط قابلة للاختبار والمساءلة».






