طلاليات
إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراقك يا خالد ضبيان المعيقلي، أبا يزيد لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
كان يوم الثلاثاء 14مشهر صفر 14448هجري من الأيام الصعبة، بل من أشد الأيام ألمًا وحزنًا على قلوبنا؛ ففيه فقدنا فيه النسيب والصديق والأخ الحبيب، زوج أختي، الرجل الذي جمع في حياته بين طيب المعشر، ونبل الخلق، وصدق المودة، ثم رحل على حين غفلة، بعدما أدركه الأجل المحتوم في مدينة تبوك، فكان الخبر صاعقًا، وانهمر الحزن في القلوب دون استئذان.
رحل أبو يزيد، وترك خلفه حزنًا لا تصفه الكلمات، وفقدًا لا تخففه إلا مشيئة الله، وذكرى طيبة ستبقى حاضرة في نفوس كل من عرفه، وعاشره، وأحبه.
وكان المشهد في لحظات الوداع من أصعب ما يمكن أن تراه القلوب؛ زوجته الوفية، أختي الغالية، التي وقفت إلى جانبه منذ بداية مرضه، تؤازره، وترافقه، وتمنحه من صبرها ومحبتها ووفائها ما لا تصفه الحروف، حتى كانت إلى جواره في ساعاته الأخيرة، ثم وقفت أمام الفراق بقلب الأم والزوجة والرفيقة، تستمد قوتها من إيمانها بالله، وتحتسب حزنها عند من لا تضيع عنده الودائع.
أما ابنه الوحيد يزيد، وبناته الثلاث، فقد كانت دموعهم تنهمر كسحب مثقلة بألم الفراق، وهم يودعون والدهم في آخر أيامه من الدنيا، ويقبلونه القبلات الأخيرة، في لحظات تختلط فيها الدموع بالدعاء، والحزن بالإيمان، والوداع برجاء اللقاء في دار لا فراق فيها.
وكان أشقاؤه وشقيقاته، وأبناء عمومته، وزملاء عمله، وأصدقاؤه، ومعارفه، وكل من أحبه، يعيشون ساعات لم تكن سهلة؛ ساعات ثقيلة على النفوس، موجعة للقلوب، حين يصبح الغائب حاضرًا في كل ذكرى، ويصبح الرحيل حقيقة لا يملك الإنسان أمامها إلا التسليم لأمر الله.
أما نحن، أنا وإخوتي، فلم يكن ألمنا أقل من ألم أقاربه ومحبيه، فقد كان خالد بالنسبة إلينا نسيبًا عزيزًا، وصديقًا وفيًا، وأخًا جمعنا به الود، وربطتنا به أيام ومواقف وذكريات لن تغيب.
ودعناك يا أبا يزيد، وبكيناك، وصلينا عليك، ووارينا جسدك الثرى، ثم أودعناك عند رب كريم، عند الله الذي لا تضيع لديه الودائع، ونحن نؤمن أن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وأن ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وأن القضاء والقدر من عند الله، وأن الموت حق، وأن كل نفس ستذوقه، مهما امتد العمر، ومهما عظمت الآمال.
الفراق صعب، والرحيل مؤلم، وغياب الأحبة يترك في القلب فراغًا لا يملؤه شيء، لكن الإيمان يعلّمنا أن الدنيا دار عبور، وأن البقاء لله وحده، وأن لقاء الأحبة المؤمنين سيكون بإذن الله في دار البقاء، حيث لا مرض، ولا حزن، ولا فراق.
رحمك الله يا خالد، وغفر لك، ووسع مدخلك، وأنار قبرك، وجعله روضة من رياض الجنة، وجمعك بمن تحب في جنات النعيم.
اللهم اجعل ما أصابه رفعةً في درجاته، وتكفيرًا لذنوبه، واجعل قبره نورًا وسكينةً وطمأنينة، وألهم زوجته الوفية، وابنه يزيد، وبناته، وأشقاءه وشقيقاته، وأسرته ومحبيه، الصبر والسلوان، واربط على قلوبهم، وعوضهم خيرًا.
سلامٌ عليك يا أبا يزيد يوم كنت بيننا، وسلامٌ على ذكراك الطيبة التي ستبقى في القلوب، وسلامٌ عليك يوم رحلت إلى رحمة الله، ويوم نلقاك بإذن الله في دارٍ لا فراق فيها.
إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
رحم الله أبا يزيد رحمة واسعة،



