كتاب الرأي

المصارحة الزوجية.. ما فات قبل الزواج يمكن تداركه بعده

كثير من المشكلات الزوجية التي تظهر بعد الزواج لا تكون وليدة اللحظة، بل قد تكون جذورها موجودة منذ فترة ما قبل الزواج، حين ينشغل الطرفان بالاستعداد للزفاف والتجهيزات والمظاهر، بينما تتراجع الأسئلة الحقيقية التي ستصنع حياتهما اليومية بعد ذلك.

فالزواج ليس حفلاً ينتهي في ليلة، وإنما حياة مشتركة تتطلب وضوحًا في التوقعات، وفهمًا لطبيعة كل طرف، واتفاقًا على القضايا الأساسية التي قد تتحول لاحقًا إلى مصادر للخلاف.

ومن هنا تأتي أهمية فترة «الملكة» بوصفها فرصة للمصارحة والحوار المسؤول. ينبغي أن يتحدث الطرفان بوضوح عن المال وكيفية إدارة المصروفات، والسكن، والعمل، والإنجاب وتربية الأبناء، والعلاقة مع أهل الزوج وأهل الزوجة، وحدود تدخل الآخرين، والخصوصية، وتقسيم المسؤوليات، وكذلك الطريقة التي سيتعاملان بها مع الخلاف عندما يحدث.

لكن السؤال الأهم: ماذا عن الزوجين اللذين لم يفعلا ذلك قبل الزواج؟ هل فات الأوان؟

بالتأكيد لا.

من الأخطاء أن يعتقد الزوجان أن ما لم يُناقش قبل الزواج أصبح واقعًا لا يمكن تغييره. فالحياة الزوجية نفسها مساحة مستمرة للتعلم وإعادة التفاهم وتصحيح المسار. وإذا غابت المصارحة بالأمس، يمكن أن تبدأ اليوم.

على الزوجين أن يجلسا جلسة هادئة بعيدًا عن لحظات الغضب، وأن يتحدث كل منهما عما يريده وما يزعجه وما يحتاج إليه، دون اتهام أو تجريح. وبدلاً من عبارة: «أنت دائمًا تفعل كذا»، يمكن أن يقول أحدهما: «هذا التصرف يزعجني، وأتمنى أن نتفق على طريقة أفضل».

والهدف من الحوار الزوجي ليس أن ينتصر الزوج على زوجته، أو تثبت الزوجة أنها على حق، وإنما أن ينتصر الزواج نفسه.

وقد يكتشف الزوجان بعد سنوات من الزواج أن كثيرًا من خلافاتهما ليست بسبب انعدام المحبة، وإنما بسبب اختلاف التوقعات. الزوج يتوقع سلوكًا معينًا من زوجته ولم يخبرها به، والزوجة تنتظر أمرًا من زوجها وهو لا يعرف أنها تنتظره. وهنا تصبح التوقعات غير المعلنة مصدرًا للصدام.

كما أن العلاقة مع الأهل تحتاج إلى اتفاق واضح ومتوازن. فبر الوالدين وصلة الأرحام واجبان وقيمتان عظيمتان، لكن الحياة الزوجية تحتاج في الوقت نفسه إلى قدر من الخصوصية والاستقلال. وليس من الحكمة أن تنتقل تفاصيل كل مشكلة زوجية إلى الأسرة؛ لأن الخلاف الذي قد ينتهي بين الزوجين في ساعات ربما تبقى آثاره في نفوس الآخرين سنوات.

ومن المهم أيضًا أن يتعلم الزوجان ثقافة إدارة الخلاف. فالخلاف أمر طبيعي، لكن الإهانة والتجريح واستدعاء أخطاء الماضي والتهديد المستمر بالطلاق ليست وسائل للحل. عندما يحتدم النقاش، قد يكون تأجيله حتى تهدأ النفوس أكثر حكمة من الاستمرار فيه.

وهناك مهارات صغيرة في ظاهرها، لكنها كبيرة في أثرها: الاعتذار عندما نخطئ، والاستماع قبل الرد، والتغافل عن بعض الهفوات، وشكر الطرف الآخر على ما يقدمه، وعدم تضخيم التفاصيل، والبحث عن نقاط الاتفاق قبل نقاط الاختلاف.

وإذا وصلت العلاقة إلى مرحلة تتكرر فيها المشكلة نفسها دون قدرة الزوجين على حلها، فلا ينبغي الانتظار حتى تتراكم الجروح. الاستعانة بمختص في الإرشاد الأسري ليست إعلانًا عن فشل الزواج، وإنما قد تكون خطوة ناضجة لحمايته وإعادة الحوار إلى مساره الصحيح.

إن الوقاية قبل الزواج مهمة، لكن الإصلاح بعد الزواج ممكن أيضًا. وليس صحيحًا أن كل خطأ في البداية يقود بالضرورة إلى النهاية.

فإن لم تتحدثوا قبل الزواج عن المال والسكن والأبناء والأهل والخصوصية والمسؤوليات وكيفية إدارة الخلاف، فتحدثوا عنها الآن. وإن كانت هناك اتفاقات قديمة لم تعد تناسب ظروف حياتكم، فأعيدوا مناقشتها.

المصارحة المتأخرة خير من صمتٍ تتراكم خلفه المشكلات، وما فات قبل الزواج يمكن تداركه بعده؛ فالإصلاح لا يفوت أوانه ما دامت لدى الزوجين رغبة صادقة في أن يحافظ كلٌّ منهما على الآخر.

د. عبدالرحمن حسن جان

دكتوراه في علم الاجتماع، وباحث في القضايا الأسرية والاجتماعية، مهتم بدراسة التحولات الاجتماعية وتعزيز الوعي الأسري والاستقرار النفسي والاجتماعي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى