من أجمل ما قاله وزير التعليم يوسف البنيان في مؤتمره الصحفي أمس، إعلانه أنه بعد مراجعة منصة «حضوري»، سينتهي اعتبارًا من هذا العام حضور المعلم في المدرسة بانتهاء اليوم الدراسي وفق خطة كل مدرسة.
قرار يستحق الإشادة. ليس لأنه أنهى جدلًا صاحب «حضوري» بين المعلمين والمعلمات وأسرهم خلال العام الماضي فحسب، بل لأنه يقدم رسالة إدارية مهمة: القرار الذي تكشف التجربة حاجته إلى المراجعة يجب أن يُراجع.
وهذا يحسب لوزارة التعليم بقيادة الوزير يوسف البنيان.
فالمراجعة ليست تراجعًا بالمعنى السلبي، ولا انتقاصًا من القرار السابق أو ممن اتخذه. الإدارة الناجحة تضع الأنظمة، تراقب تطبيقها، تستمع للميدان، ثم تتدخل عندما تجد أن الواقع يحتاج إلى تعديل.
ولذلك أعجبني هذا القرار أكثر من كثير من الأرقام التي استعرضها المؤتمر.
لأن المعلم في النهاية ليس رقمًا في منصة حضور وانصراف، والمهم أن يؤدي رسالته التعليمية كاملة، وأن يكون موجودًا عندما يحتاج إليه الطالب والمدرسة، لا أن يبقى داخل مبنى انتهى فيه اليوم الدراسي لمجرد أن النظام يطلب منه إثبات وجوده.
ومن «حضوري» إلى «قبول».
كتبت صباح أمس مقالًا بعنوان «العالِم والنملة.. ومنصة قبول»، تناولت فيه ما واجهه بعض أبنائنا وبناتنا مع القبول الجامعي، ولم أكن أعلم أن مؤتمر الوزير مساءً سيقدم لي مثالًا من الوزارة نفسها على أن الأنظمة ليست نصوصًا مقدسة، وأن المراجعة ممكنة متى ظهرت آثار التطبيق.
ولهذا أقول لمعالي الوزير: ما فعلتموه مع «حضوري» نأمل أن يمتد إلى إجراءات القبول الجامعي.
استمعوا للطلاب كما استمعتم للمعلمين. واستمعوا للأمهات والآباء الذين عاشوا أيام القبول بقلق، وراجعوا آليات الفرز وأوزان القبول، وانظروا إلى التجربة من مقعد الطالب الذي أمضى اثني عشر عامًا في التعليم ثم وجد أن مستقبله الجامعي قد يتوقف على معادلة أو نسبة أو آلية لم تمنحه الفرصة التي كان ينتظرها.
لا أطالب بقبول الجميع في التخصص الذي يريدونه، ولا بإلغاء معايير المفاضلة، فهذا غير ممكن ولا منطقي، لكنني أتمنى أن تكون القاعدة الأساسية هي توسيع فرص التعليم الجامعي أمام أبناء الوطن قدر المستطاع، ثم تترك المنافسة على الوظائف للكفاءة والمهارة والقدرات.
وأعرف أن بعض الجامعات قد تحتج بأن زيادة أعداد المقبولين تتجاوز ما هو معتمد في ميزانياتها، وأن أعضاء هيئة التدريس والتشغيل والخدمات تحتاج إلى تمويل إضافي. هذه حجة مفهومة من الناحية الإدارية، لكنها لا ينبغي أن تكون نهاية النقاش.
إذا كانت القدرة المالية للجامعات تمثل تحديًا، فمن الممكن التفكير في بدائل متعددة، حتى لو شملت شراكات مع القطاع الخاص أو برامج لا تصرف فيها مكافآت لبعض الطلاب وفق ضوابط واضحة، بدلًا من أن يدفع طالب رسومًا في برنامج تأهيلي، بينما يدرس زميله في القاعة المجاورة التخصص نفسه أو ما يقاربه بالمجان.
وهنا تظهر أهمية أن تطور الجامعات مصادر دخلها واستثماراتها وشراكاتها، وتبحث عن حلول تمويلية أكثر ابتكارًا، بدل أن يكون الطالب هو الحلقة الأسهل لتعويض أي عجز مالي.
فالدولة، جزاها الله خيرًا، لم تبخل على التعليم. شيدت الجامعات في مناطق المملكة، واستثمرت في الإنسان، ووضعت تنمية القدرات البشرية في قلب مشروعها الوطني.
ورؤية السعودية 2030 في جوهرها رؤية تمكين للإنسان السعودي، والشباب في مقدمة هذا المشروع، وليس هناك استثمار أغلى ولا أبقى من التعليم.
ومن هنا أتمنى أن ننظر إلى درجة البكالوريوس باعتبارها مستوى من المعرفة والثقافة والتأهيل لأبناء المجتمع، وليس مجرد تذكرة للحصول على وظيفة.
دعوا أبناءنا يتعلمون. ثم ليأتِ سوق العمل ويختار الأفضل بالمهارة والكفاءة والجدارة.
وإذا كانت هناك إجراءات أو منصات أو أنظمة تحول دون توسيع هذه الفرص، فلنراجعها. وإذا أثبتت التجربة أن بعضها يحتاج إلى تعديل، فلنعدله.
لقد فعلتموها مع «حضوري». وهذا يجعلنا أكثر تفاؤلًا بأن تفعلوها مع غيره.
معالي الوزير.. المراجعة فضيلة إدارية، والرجوع إلى ما يخدم الطالب والمعلم ليس تراجعًا، بل تقدم.
وبين «حضوري» و«قبول» آلاف المعلمين ومئات الآلاف من الطلاب والأسر الذين ينتظرون من الوزارة شيئًا واحدًا: أن تسمعهم.

