المقالات

وصمة التقاعد في ثقافتنا العربية هي من تقاعد

لم يعد التقاعد في ثقافتنا العربية موصومًا كما كان قبل سنوات، إذ أصبحنا نرى جيلًا من المتقاعدين الذين مازالوا يحتفظون بصحتهم ونظارتهم، ويُقدمون على التقاعد بروح متفائلة وخطط متقنة لبدء حياة جديدة، وكأنهم يعوضون عما أخذته الوظيفة منهم خلال العقود التي عملوا فيها. ومما يجدر ذكره أننا لم نعد نسمع عبارة «مُت قاعد» التي كانت تقال على سبيل المزاح، ولكنها تحمل في طياتها إساءة وإن كانت غير مقصودة.

أصبح الناس يرون التقاعد إعلانا لانتهاء الوظيفة، لا لانتهاء دور الإنسان في الحياة، الأمر الذي قد يدفع بعضهم إلى طلب التقاعد المبكر والاستمتاع بسنوات الراحة من ارتباطات العمل. كما أصبحت بعض المؤسسات الحكومية والخاصة تدرك أن المتقاعد بمثابة منجم للخبرة الفكرية والإدارية والاستشارية، وتستفيد من خبراته التي اكتسبها خلال عمله، وهذا بلا شك يبعث في النفوس سعادة لا تضاهى.
وربما للثورة التقنية وتقارب الثقافات أصبحنا نشترك مع المجتمعات الغربية في نظرتها العامة إلى التقاعد باعتباره بداية فصل جديد من الحياة، ولم يبقَ إلا أن يستعد الموظف العربي، كنظيره الغربي، لهذه المرحلة منذ سنوات عمله الأولى، من خلال الادخار والتخطيط لما بعد الوظيفة، بحيث إذا أُحيل إلى التقاعد، يتفرغ لممارسة هواياته التي حالت الوظيفة دون ممارستها، كالصيد والهايكنج، أو ينخرط في العمل التطوعي، أو يتفرغ للقراءة والكتابة وماشابه ذلك من أنشطة فكرية. ومع اتساع هذه النظرة الجديدة، بدأ المتقاعد نفسه يتعامل مع مرحلته بطريقة مختلفة. فلم يعد خروجه من الوظيفة يعني بالضرورة انقطاعه عن الناس أو جلوسه في المنزل طوال اليوم، بل أصبح أكثر قدرة على تنظيم وقته واختيار ما يناسبه وفق ظروفه الاجتماعية والأسرية، فقد تجد المتقاعد في الصباح يمارس رياضته، وفي الظهيرة يلتقي بأصدقائه، وفي المساء يحضر مناسبة اجتماعية أو يمارس هواياته.

وعندما نصل إلى قناعة أو معادلة بسيطة: انتهت سنوات الوظيفة، ولكن لم تنتهي قيمة المتقاعد، سننظر إليه بوصفه شخصا خرج من الحياة العملية، وانتقل إلى مرحلة يملك فيها حرية أكبر في اختيار ما يريد أن يفعله. وحينئذ تكون وصمة التقاعد قد تقاعدت فعلا.

• أكاديمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى