المقالات

هل تنجح إيران في رفع تكلفة الحرب الاستراتيجية ؟

( تحركات إيرانية عبر الحلفاء الإقليميين لرفع تكلفة المواجهة )

رفع تكلفة الحرب استراتيجية ضغط من طهران لدفع واشنطن للتراجع، فهل تنجح هذه الاستراتيجية التي تتبعها طهران بعناية معولة على بث الفوضى في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز، ام أنها أيضا تخسر الدول الإقليمية التي تتوسط بينها وبين واشنطن؟.

بدأت الحرب على إيران في 28 فبراير 2026 أسفر عن مقتل المرشد علي خامنئ وعدد من القادة الكبار، امتدت رقعة الحرب من خلالها ردت إيران على عدد من دول المنطقة ولم تقتصر على إسرائيل والقواعد الأمريكية كما تدعي، بل امتدت إلى أذربيجان وتركيا وقبرص، شملت منشآت للطاقة ومباني سكنية وأهدافا مدنية، ويدعي السياسيون أن القرارات اتخذت من عسكريين إيرانيون من الصف الثاني.

إيران كانت تستعد لهذا الاحتمال منذ حرب أكتوبر على غزة ورفضت المشاركة في هذه الحرب، بل ورفضت أن يشارك حزب الله اللبناني في هذه الحرب، وتم رفض وحدة الساحات، فيما اليوم بعد ضرب إيران اتجهت إلى وحدة الساحات، لكن أمريكا وإسرائيل عاجل إيران بتصفية قدرات حماس وحزب الله اللبناني قبل أن تستهدفان إيران بضربات حاسمة.

لا يمكن لإيران الحاق هزيمة عسكرية بالولايات المتحدة في ظل تفاوت ميزان القوى، لكن طهران تسعى إلى الصمود عبر رفع تكلفة التصعيد حتى تبدأ واشنطن في البحث عن مخرج، لكن فوجئت إيران بتشكيل السعودية وتركيا وباكستان حلف ثلاثي لضبط تصعيد إيران من أجل رفع تكلفة التصعيد في المنطقة وحصر المواجهة بين أمريكا وإيران، والضغط على طهران في العودة إلى التخلي عن أذرعها في المنطقة الذي يتولى هذا التحالف تفكيكها من أجل تصحيح السلوك الإيراني، والإثبات له على أنه غير قادر على مواجهة هذا التحالف الثلاثي الذي يمنع أي نفوذ يتمدد على حسابها وعلى حساب أمن المنطقة، جعلت ترمب يبارك ولادة هذا التحالف الثلاثي الذي يرى أنه يخدم استراتيجيته، ويقلل من تكلفة التصعيد التي تتبعها طهران.

ترمب حذر من سيناريو حرب أمريكا مع فيتنام التي بدأت عام 1955 حتى سقوط سايغون 1975 في قبضة الجيش الفيتنامي الشمالي كانت بمثابة نهاية الحرب، كانت بمثابة حرب بالوكالة في حقبة الحرب الباردة، تدخلت أمريكا في 1960 في عهد الرئيس جون كيندي لدعم فيتنام الجنوبية ضد التمدد الشيوعي الشمالي بدعم الاتحاد السوفيتي والصين، التي منيت أمريكا بانتكاسة وكيف استطاع الطرف الأضعف نجاحه في ممارسة الاضعاف التدريجي للقدرة السياسية لخصمه الولايات المتحدة على خوض الحرب، خصوصا وأن هذه الحرب كانت في زمن الحرب الباردة حصلت فيتنام على دعم من الاتحاد السوفيتي، بينما الحرب على إيران في زمن الهيمنة الأمريكية، وليس من مصلحة الصين التدخل في هذه الحرب، أو دعم إيران لأن مصالحها الاقتصادية مع الولايات المتحدة ضخمة لا يمكن التضحية بها، وروسيا متورطة في حرب استنزاف في أوكرانيا، وكذلك حذر من حرب أمريكا على العراق في 2003.

لجأت طهران إلى أساليب مواجهة غير مباشرة على رأسها رفع أسعار الطاقة، أملا في أن تدفع ضغوط دول الخليج والتضخم بسبب ارتفاع تكلفة الطاقة، ولكن السعودية ودول أخرى أفشلت هذه المحاولة، ولم ترتفع أسعار الطاقة إلى ما تصبو إليه إيران.

طهران مصدومة كيف يقبل ترمب مذكرة التفاهم والقبول بهدنة مدة 60 يوما، لكنه يعود اليوم إلى شروط أمريكا السابقة مطالبا إيران بالاستسلام بدون أي شروط، ورفض ترمب ان تتدخل عمان في ترتيبات مضيق هرمز على نحو يتعارض مع الموقف الأمريكي، فيما إيران تتمسك بمذكرة التفاهم، وتطالب برفع الحصار والافراج عن الأموال المجمدة، وهي في حيرة من امرها وأنها فشلت في تعظيم مكاسبها، وان تطبع في أذهان خصومها ما ستكون عليه تكلفة أي مواجهة مستقبلية ضدها، وترى انه كلما طال أمد الصراع زاد شعور طهران بأن ميزان القوى الاستراتيجي يتغير لصالحها، لكن تراجع ترمب عن مذكرة التفاهم التي وقعتها طهران مع واشنطن لم تعد قائمة وعاد ترمب إلى شروطه الماضية، وأن موافقة ترمب على مذكرة التفاهم مجرد فخ ترمبي وقع فيه الملالي من أجل أن تبقى هيمنتهم الإقليمية.

بعدما ساورت ترمب شكوك بشأن صلاحيات محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي لإبرام اتفاق، ووفق اكسيوس أبلغ قائد الحرس الثوري وحيدي بارزاني رئيس إقليم كردستان أن الحرس الثوري يدعم الفريق المفاوض وتفضل حل الأزمة عبر المفاوضات، تراوحت أهداف ترمب بين مطالبة إيران بالاستسلام الكامل، وإنهاء دعمها للجماعات الحليفة، وصولا إلى تغيير النظام لكن ذلك لم يتحقق، خصوصا عندما أعلنت طهران في 15 يوليو أنها لا تعد نفسها ملزمة ببنود المذكرة، بعد إعادة واشنطن فرض الحصار البحري واستئناف الضربات.

لذلك لوح قيادي رفيع في الحرس الثوري بأن العمليات العسكرية الإيرانية قد تتحول مستقبلا إلى الهجوم بالتزامن مع رصد تحركات الحرس الثوري وحلفائه في العراق واليمن ولبنان، وتعتبر أنها كانت في حالة دفاع عن نفسها قد تتجه مستقبلا إلى طابعا هجوميا أيضا، أي أنها ستتبنى مقاربات تحولية استنادا إلى التعليمات والأوامر الجديدة التي أصدرها المرشد الإيراني مجتبى خامنئ، خصوصا بعد تغيير النهج العسكري من العقيدة الدفاعية إلى الهجومية وإعادة تعيين القادة الجدد استعدادا لهذا التحول حسب تصريح نائب الشؤون السياسية في الحرس الثوري يد الله جواني للتلفزيون الرسمي الإيراني، فيما يعتبر نائب قائد الحرس الثوري الجنرال مصطفى إيزدي أن إيران تمكنت من الصمود، وأن إيران لم تتفكك، وبالفعل كشفت اتصالات جرى اعتراضها ومعلومات استخباراتية عن تحركات يقودها جهاز الحرس الثوري الإيراني مع حلفائه في العراق واليمن ولبنان لإعداد خطط توسع الحرب وترفع تكلفتها على الولايات المتحدة وحلفائها، وفق ما نقلته صحيفة وول ستريت جورنال عن مسؤولين إقليميين، مستغلة فترة الهدوء التي أعقبت توقيع مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة في 17 يونيو لإعادة ترتيب بنيتها العسكرية والأمنية والاستعداد لمواجهة أوسع، في إطار تصور الحرب هي الأساس وأن المفاوضات فترة هدوء مؤقتة.

بالفعل نشرت إيران صواريخ وأسلحة بحرية ومنصات إطلاق مسيرات قرب البحر الأحمر، وتزويد جماعات حليفة بمعلومات استخباراتية وقوائم اهداف، كانت فرصة للسعودية للتخلص من هذه الجماعات التي تهدد أمن المنطقة ووسعت التحالف بينها وبين باكستان الدفاعي إلى اتفاق دفاعي ثلاثي رحبت به واشنطن لأنه سيخفف الضغط على الولايات المتحدة ويوزع التكلفة، ويشكل ردع لإيران يحجم قدراتها ويجعلها منزوعة الهيمنة على الجماعات الإقليمية، فإسرائيل بحكم تهديد حزب الله لأمنها تتولى تحجيم قدرات حزب الله وهناك دور سعودي يضغط على الحكومة لتسليم السلاح للدولة، في المقابل تتولى الولايات المتحدة مفاوضات بين لبنان وإسرائيل لدعم الجيش وتولي سحب السلاح من حزب الله.

زار رئيس الاستخبارات العامة السعودي الفريق خالد بن علي الحميدان العاصمة العراقية بغداد في منتصف أغسطس 2026 التقي رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، تناولت الزيارة تعزيز التنسيق الأمني وتبادل المعلومات، ومناقشة حماية سيادة البلدين ومنع استخدام الأراضي العراقية لاستهداف أي جهة أخرى، وقاليباف من بغداد سنقدم الغالي والرخيص من أجل استمرار نهج المقاومة، ويدعي أنه من أجل مواجهة مشروع إسرائيل من النهر إلى البحر، وفي نفس الوقت رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي فائق زيدان يصل الى السعودية في 19/8/2026 بناء على دعوة رسمية ويلتقي وزير العدل السعودي لبحث سبل تعزيز التعاون القضائي والقانوني بين البلدين.

وواجهت السعودية تهديدات الحوثيين ضد السفن التجارية وحركة الملاحة ومضيق باب المندب عبر تشكيل تحالفات بحرية دفاعية دولية لحماية الملاحة، وتعزيز قدراتها البحرية وشبكات المراقبة والاستطلاع، بالتنسيق العسكري والسياسي مع الحلفاء الإقليميين والدوليين لردع تلك الهجمات وتأمين إمدادات الطاقة، ووجهت ضربات استباقية لتحجيم قدرات الحوثيين العسكرية وتأمين السواحل اليمنية.

أيضا يتجه الحوثيين إلى استهداف المنشآت السعودية محاولة لرفع كلفة المواجهة على السعودية ودفعها إلى طاولة المفاوضات أملا في انتزاع تنازلات وامتيازات سياسية وعسكرية، بينما السعودية لم توافق للانتقالي الحصول على امتيازات على حساب الوحدة اليمنية، فيما اتجهت عبر دعم تنظيم القوات اليمنية والاستعداد لخيار عسكري بري وبحري ضد الجماعة.

• أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة أم القرى بمكة

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

أستاذ بجامعة أم القرى بمكة سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى