كتاب الرأي

وقفة قبل خصخصة الأندية

حين تنتقل ملكية نادٍ رياضي إلى شركة خاصة أو مستثمر، يبدو الأمر للوهلة الأولى خطوة اقتصادية منطقية حيث يشمل ، رأس مال أكبر، وإدارة أكثر احترافية، وقدرة أعلى على استقطاب اللاعبين والمدربين والمنافسة على البطولات وغيرها. وليس في الاستثمار الخاص من حيث المبدأ ما يدعو إلى القلق؛ فالرياضة الاحترافية أصبحت صناعة ضخمة يصعب فصل تطورها عن رأس المال. لكن المشكلة تبدأ حين لا يكون المستثمر ممولًا لنادٍ قادر على الاستمرار بذاته، بل يصبح النادي معتمدًا على استمرار المالك في تمويله. وهنا يتحول الاستثمار من مصدر قوة إلى مصدر خطر، لأن مصير النادي يصبح مرتبطًا بمصير شركة قد تربح أو تخسر، وقد تتعثر لأسباب لا علاقة لها بالرياضة أصلًا.

والفارق جوهري بين مستثمر يملك ناديًا، ونادٍ لا يستطيع البقاء من دون مستثمره. الشركات بطبيعتها قابلة للبيع والاندماج والتصفية والإفلاس، أما النادي الرياضي فليس مجرد أصل تجاري؛ فهو يحمل تاريخًا وذاكرةً وانتماء أجيال. ولذلك فإن السؤال الأهم عند خصخصة الأندية لا ينبغي أن يكون: كم يستطيع المستثمر أن ينفق؟ بل: ماذا سيحدث للنادي إذا توقف هذا المستثمر غدًا عن الإنفاق؟

تقدم التجربة الصينية مثالًا واضحًا، فمع الطموح الكبير لتطوير كرة القدم، دخلت شركات ضخمة إلى ملكية الأندية، وبدأ سباق لاستقطاب لاعبين ومدربين عالميين ولكن جانبًا من هذا النمو اعتمد على الدعم المستمر من الشركات المالكة أكثر من اعتماده على إيرادات رياضية مستدامة، وعندما تغيرت الظروف الاقتصادية ظهرت هشاشة النموذج. ولعل نادي جيانغسو أبرز الأمثلة؛ فقد توج بطلًا للدوري الصيني عام 2020، ثم أعلن مالكه، مجموعة سونينغ، بعد أشهر وقف تشغيل النادي. لم تكن البطولة ولا القيمة الرياضية كافيتين لحمايته عندما توقف الممول.

وفي أوروبا، تكشف تجربة بارما الإيطالي صورة مشابهة. فقد أصبح النادي في التسعينيات أحد أبرز أندية القارة، مدعومًا من مجموعة بارمالات وعائلة تانزي، لكن انهيار الشركة في فضيحة مالية كبرى عام 2003 انعكس مباشرة على النادي، الذي كانت بارمالات تملك نحو 98.7 في المئة منه. صحيح أن بارما واصل نشاطه بعد ذلك، وأن إفلاسه اللاحق عام 2015 جاء في ظروف أخرى، إلا أن التجربة كشفت مدى سهولة انتقال أزمة الشركة المسيطرة إلى النادي عندما يرتبط مصيرهما ماليًا.

وتقدم تجربة ويجان أثلتيك الإنجليزية وجهًا آخر للمشكلة، فبعد انتقال ملكيته، دخل النادي في منازعات قضائية في يوليو 2020 بعد أسابيع قليلة من أحدث عملية انتقال للسيطرة، إثر عدم وصول التمويل المتوقع من المالك، وكانت النتيجة خصم 12 نقطة من نقاط النادي في الدوري وهذا أسهم في هبوطه، وهنا لم تكن المشكلة انهيار شركة عملاقة، بل حقيقة أبسط وأكثر خطورة، إذا كانت قدرة النادي على الوفاء بالتزاماته تعتمد على التحويل المالي من المالك، فإن توقف ذلك التحويل قد يحول أزمة المستثمر إلى أزمة وجودية للنادي خلال أسابيع.

وحتى نموذج الملكية متعددة الأندية لا يلغي هذا الخطر. فقد بنت مجموعة 777 Partners الأمريكية شبكة استثمارات في أندية بعدة دول، قبل أن تواجه خلال 2024 نزاعات ودعاوى مالية واسعة، وانتقلت السيطرة على عدد من استثماراتها لاحقًا إلى جهات دائنة أو ممولة، وتوضح التجربة أن تنويع الأندية جغرافيًا بالنسبة للمستثمر قد يتحول، من زاوية الأندية نفسها، إلى تركيز للمخاطر إذا كان تمويلها جميعًا مرتبطًا بالمركز المالي لمجموعة واحدة.

في المقابل، تقدم ألمانيا نموذجًا يستحق الدراسة عبر قاعدة ” 50+1 ”، التي تسمح بدخول رأس المال الخاص مع احتفاظ النادي وأعضائه، في الأصل، بأغلبية حقوق التصويت. والنموذج الألماني ليس مثاليًا، كما أن استقرار أنديته لا يعود إلى هذه القاعدة وحدها، بل إلى منظومة أوسع من الترخيص والرقابة المالية والحوكمة، لكن المبدأ المهم فيه هو أن الاستثمار والسيطرة ليسا شيئًا واحدًا؛ ويمكن للمستثمر أن يساهم في نمو النادي دون أن يصبح وجود النادي مرهونًا بالكامل بوجوده.

لذلك فإن حماية الأندية لا تقتضي منع الاستثمار الخاص، بل تصميم العلاقة معه بصورة أفضل، اختبار مستمر لملاءة المالك، وضمانات تمويلية مستقبلية، وفصل قانوني ومالي بين النادي والشركة الأم، وحماية الاسم والشعار والمنشآت والأصول الأساسية، وتنويع مصادر الإيرادات، ومنح الجمهور أو مؤسسة النادي دورًا في القرارات المصيرية، لان المالك الذي يملك المليارات اليوم قد يتعثر غدًا، ولهذا يجب أن تقوم حماية النادي على المؤسسات لا على افتراض دوام ثروة المستثمر أو حسن نواياه.

إن نجاح خصخصة الأندية لا يقاس بحجم الأموال التي تدخل إليها يوم البيع، بل بقدرتها على الاستمرار يوم يقرر المشتري الرحيل. فالمستثمر قد يبيع، والشركة قد تغير استراتيجيتها أو تفلس، أما النادي فمن المفترض أن يبقى. ولذلك ينبغي أن تكون قابلية المستثمر للخروج أكبر من قابلية النادي للاختفاء؛ فالاستثمار الرياضي الناجح هو الذي يجعل النادي أقوى من مالكه، لا أكثر اعتمادًا عليه.

د. عبدالعزيز بن عبدالله الخضيري

‏• رئيس مركز دار اثان للدراسات الاستشرافية و الاستراتيجية ‏• ⁠ وزير الثقافة و الإعلام السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى