يقول الشاعر السعودي سلطان الهاجري:
خل بينك وبين اللي تعزّه مسافة
لجل يحفظ مكانك وأنت تحفظ مكانه
لا تقول الميانة ما وراها حسافة
كم خطيّة تجي من باب زود الميانة
أعجبتني هذه الأبيات؛ لما تعبّر عنه من طبيعة العلاقة بين الأصدقاء، وما ينبغي أن يحكمها من معايير وضوابط تحفظ استمرارها واستقرارها، فلا تتعرض لأسباب الفشل والانهيار وفقدان الصداقة.
فالإنسان، أي إنسان، ليس نسخة من غيره؛ سواء كان قريبًا أو صديقًا. لكل إنسان طبيعته وسلوكياته وأفكاره وقناعاته، وليس من الضروري أن تتطابق هذه الصفات حتى تنشأ المحبة والانسجام مع الآخر.
قال لي أحدهم إن علاقته بصديقه استمرت عشرات السنين، وكانا بمنزلة الأخوين، ثم تغير الحال فجأة، وانتهت العلاقة إلى أن حظر أحدهما الآخر من هاتفه.
يقول: لم يخطر ببالي يومًا أن يحظرني هذا الصديق العتيق، الذي أفنيت عمري في صداقته طوال تلك السنين. وكانت المفاجأة أن سبب الحظر ملاحظة ذكرتها له على الخاص، بيني وبينه، على سبيل النصيحة الأخوية لمن أحب.
كانت النصيحة تتعلق بظاهرة الهياط والفشخرة التي انتشرت بين بعض أفراد المجتمع، ويبدو أنها لامست جانبًا من تصرفات صديقي وسلوكياته؛ فكان رده أن حظرني من جواله.
ويضيف: صدمت من ردّة فعله العنيفة التي لم أتوقعها، لقوة العلاقة ومتانتها بيننا.
ولهذا أعجبتني أبيات الشاعر سلطان الهاجري، وما تحمله من حكمة ورشد وبعد نظر. فمهما بلغت الصداقة من متانة وعمق، تبقى الحاجة قائمة إلى حفظ المسافة التي تصون الود وتمنع التكلّف.
لابد أن يحتفظ الإنسان بخصوصيته، وأن يحسب حساب كل خطوة يقدم عليها تجاه صديقه، حتى يبقى حبل الوصال متصلًا، بلا إفراط ولا تفريط.




