طبيب في الأربعين يفتح هاتفه بين مريض وآخر، فيجد أن بعض ما أمضى سنوات يتعلم خطواته أصبحت أداة رقمية تساعده في إنجازه خلال ثوان. ومهندس تخرج قبل عشرين عامًا يرى أن كثيرًا مما تعلمه من الرسم والحساب اليدوي تقوم به اليوم برامج أسرع وأكثر دقة. وما يحدث لهما يحدث، بدرجات مختلفة، في معظم المهن.
وهنا يبرز السؤال: هل من المنطقي أن يبقى نظام التعليم كما عرفناه منذ عقود؟ يدخل الطفل المدرسة في السادسة، ويمضي اثني عشر عامًا، ثم أربعًا أو خمسًا في الجامعة، ليبدأ حياته العملية بعد نحو سبعة عشر عامًا من التعليم.
كان لهذا النظام منطقه عندما كانت المدرسة والجامعة هما الطريق الرئيس إلى المعرفة. أما اليوم، فالمعرفة نفسها أصبحت في متناول الطالب في أي وقت، يستطيع أن يصل إلى مكتبات العالم، وأن يشاهد أفضل المحاضرات، وأن يستعين بمعلم رقمي يشرح له المسألة مرة وعشر مرات بالطريقة التي تناسبه.
لذلك لم يعد السؤال الحقيقي: كم سنة يدرس أبناؤنا؟ بل: ماذا تضيف إليهم كل سنة؟
المشكلة ليست في سبعة عشر عامًا بحد ذاتها، وإنما في افتراض أن المدة نفسها مناسبة للجميع. لماذا نطلب من طالب سريع التعلم أن ينتظر نهاية العام حتى ينتقل؟ ولماذا ننقل طالبًا آخر إلى مرحلة جديدة لأنه أنهى السنة، مع أنه لم يتقن أساسيات المرحلة السابقة؟
التعليم في المستقبل يجب أن ينتقل تدريجيًا من Time-based Education، التعليم القائم على الزمن، إلى Competency-based Education، التعليم القائم على الكفاءة والإتقان. يتقدم الطالب عندما يتقن، لا عندما ينتهي التقويم الدراسي. وقد يعني ذلك أن ينهي بعض الطلاب تعليمهم في وقت أقصر، بينما يحتاج آخرون إلى مدة أطول، ولا مشكلة في الحالتين ما دام المعيار هو القدرة لا العمر.
في السنوات الأولى يجب أن يكون التركيز على بناء الإنسان: اللغة، والقراءة، والقيم، والانضباط، و حب السؤال، والقدرة على التعبير والتعامل مع الآخرين، وهنا تحديدًا لا ينبغي أن نسلّم الطفل للشاشة بحجة الحداثة لان الطفل في بداياته يحتاج الإنسان أكثر مما يحتاج التقنية.
ثم تأتي مرحلة اكتشاف العالم من خلال التجربة والأسئلة والمشروعات، وبعدها يبدأ اكتشاف الذات: أين قدراته؟ ماذا يحب؟ هل يميل إلى البحث، أم الصناعة، أم الطب، أم الفن، أم التقنية؟ ليس منطقيًا أن نعلّم الجميع بالطريقة نفسها اثني عشر عامًا، ثم نسأل الشاب عند باب الجامعة: ماذا تريد أن تصبح؟
وقد أدركت فنلندا هذا مبكرًا حين أعادت بناء مناهجها حول حل المشكلات لا حفظ المقررات، فجعلت الإتقان معيار التقدم منذ المدرسة، لا انتظارًا للجامعة.
ومن سن السادسة عشرة يمكن أن يبدأ الاحتكاك الحقيقي بالحياة؛ جزء من الأسبوع للتعليم، وجزء في شركة أو مختبر أو مستشفى أو مصنع أو استوديو أو مؤسسة اجتماعية، وفق ميول الطالب. فالمسؤولية والانضباط والعمل مع الآخرين لا تُتعلم كلها من الكتاب.
ولا شك أن هذا التحول المبكر نحو التخصص يطرح سؤالًا مشروعًا: أليس فيه حبس للطالب في مسار قبل أن يكتشف نفسه بالكامل؟ الجواب أن هذا المسار يجب أن يبقى قابلاً للتعديل لا نهائيًا، فالمرونة فيه أصل لا استثناء.
وسيتغير دور المعلم أيضًا، الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم لكل طالب Personalized Learning، التعلم المخصص وفق مستواه وسرعته، لكنه لا يستطيع أن يحل محل المعلم في اكتشاف موهبته، وبناء شخصيته، وتعليمه المسؤولية، أو مساعدته عندما يفشل. وكلما أصبحت الآلة أفضل في نقل المعرفة، ازدادت حاجتنا إلى معلم أفضل في بناء الإنسان.
حتى الجامعة تحتاج إلى إعادة نظر، ليس من الضروري أن يجلس مئات الطلاب ليستمعوا إلى معلومات متاحة لهم في أي وقت. الجامعة يجب أن تكون مكانًا للبحث والتجربة والنقاش وصناعة الحلول، ويمكن لبعض البرامج أن تصبح أقصر متى تحققت متطلبات الإتقان.
وهذا الاتجاه بدأ بالفعل. ففي MIT تعمل كلية Schwarzman للحوسبة على تخريج ما تسميهم Computing Bilinguals، مزدوجي اللغة الحاسوبية؛ أي الطالب الذي يتقن تخصصه، وفي الوقت نفسه يفهم الحوسبة والذكاء الاصطناعي ويستطيع توظيفهما في مجاله. وقد ربطت الجامعة تعليم الحوسبة والذكاء الاصطناعي بمختلف تخصصاته بدل حصرهما في تخصص مستقل.
وفي جامعة Purdue أصبح AI Working Competency، الكفاءة العملية في الذكاء الاصطناعي متطلبًا جامعيًا يبدأ تطبيقه على الطلاب الجدد في هذا الخريف 2026، بحيث لا يتخرج الطالب وهو بعيد عن الأدوات التي ستصبح جزءًا من حياته المهنية، مهما كان تخصصه.
لكن إصلاح التعليم لن يكتمل من دون إصلاح الامتحان، فما معنى أن نسمح للطالب باستخدام الذكاء الاصطناعي طوال العام، ثم نختبر قدرته على حفظ معلومات تستطيع الآلة استعادتها في ثانية؟ الامتحان القادم يجب أن يقيس كيف يفكر الطالب، وكيف يتحقق من المعلومة، ولماذا اختار هذا الحل، وهل يستطيع الدفاع عنه.
كما أن التقنية لا ينبغي أن تخلق طبقتين من الطلاب، من يملك أفضل الأدوات والاتصال والمعلمين الرقميين، ومن لا يملكها. العدالة في الوصول إلى التقنية يجب أن تكون جزءًا من أي استراتيجية تعليمية، لا إضافة لاحقة إليها. فبلا هذه العدالة، يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة لتقليص الفجوات إلى وسيلة لتوسيعها.
لسنا بحاجة إلى إلغاء المدرسة أو الجامعة، ولا إلى تحديد رقم جديد نقول إنه الأنسب للجميع. ما نحتاجه هو أن نتوقف عن تقديس عدد السنوات، وأن نبدأ بقياس ما تحقق خلالها.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يمنح أبناءنا المعرفة في ثوانٍ، لكنه لن يحدد لنا أي إنسان نريد أن نبني. وهذه مسؤولية الأسرة أولًا، ثم المدرسة والمعلم والمجتمع، لأن مستقبل التعليم، مهما تطورت تقنياته، سيبقى في النهاية مشروعًا لبناء الإنسان.
0

