أخبار العالمFrom makkah to the worldالذكاء الإصطناعيتحقيقات وتقارير

من العقود إلى القدرة الوطنية.. كيف تتحول الشراكات التقنية إلى صناعة ومعرفة محلية؟

د. متعب المرشدي: توطين التقنية يبدأ من الصناعة الذكية والبحث والتطوير

تتجاوز القيمة الحقيقية للشراكات التقنية حدود شراء الأنظمة وتشغيل المنصات؛ إذ تبدأ نتائجها الاستراتيجية عندما تنتقل المعرفة إلى الكفاءات الوطنية، ويصل الذكاء الاصطناعي إلى خطوط الإنتاج وسلاسل الإمداد، وتصبح المؤسسات قادرة على تطوير حلولها وحماية بياناتها والمشاركة في صناعة التقنية.

وفي قراءة تحليلية، يرى د. متعب المرشدي، عضو هيئة التدريس في جامعة شقراء والباحث في الذكاء الاصطناعي وتقنية المعلومات، أن التحول الرقمي أعاد تعريف الصناعة الحديثة، فلم تعد قدرتها التنافسية تُقاس بحجم منشآتها وآلاتها فقط، بل بقدرتها على توظيف البيانات والحوسبة والذكاء الاصطناعي وتحويلها إلى قرارات ومنتجات ونماذج عمل جديدة.

الذكاء الاصطناعي ينتقل إلى قلب الصناعة

يؤكد المرشدي أن التحول الرقمي أصبح عنصرًا رئيسًا في تطوير الإنتاج، وليس مجرد تحديث تقني يُضاف إلى المنشأة بعد اكتمالها.

وقال: «لم يعد التحول الرقمي مجرد خيار تقني، بل هو المحرك الجوهري لإعادة تعريف مفهوم القيمة في الصناعة الحديثة».

وتنقل تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والتوائم الرقمية المصانع من التشغيل التقليدي إلى أنظمة تستطيع قراءة البيانات، ومراقبة الأداء، والتنبؤ بالأعطال، وتحسين استهلاك الطاقة والمواد.

كما تتيح البيانات الضخمة الانتقال من معالجة المشكلات بعد وقوعها إلى اتخاذ قرارات استباقية؛ إذ يمكن للمنشأة توقع احتياجات الصيانة، ورصد الاختناقات في سلسلة الإمداد، وتعديل عمليات الإنتاج وفق تغيرات الطلب.

ويشير المرشدي إلى أن الابتكار لم يعد محصورًا في المختبرات، بل أصبح مدمجًا في التصنيع المتقدم وإدارة الموارد وسلاسل الإمداد، بما يقلل الهدر ويرفع الكفاءة التشغيلية. 

البنية التحتية أصبحت رقمية أيضًا

ترتكز الصناعة الذكية على بنية تتجاوز الطرق والموانئ والمنشآت المادية، لتشمل شبكات الاتصال، ومراكز البيانات، والأنظمة السحابية، والقدرات الحاسوبية التي تنقل المعلومات وتعالجها في الوقت الفعلي.

فالمصنع الذي يعتمد على أجهزة الاستشعار والأنظمة المؤتمتة يحتاج إلى اتصال مستمر وبنية بيانات موثوقة، كما يحتاج إلى أنظمة قادرة على تخزين المعلومات وتحليلها وتأمينها.

وبحسب قراءة المرشدي، أصبحت شبكات الاتصال المتقدمة ومراكز البيانات أساسًا تُبنى عليه المدن الصناعية الحديثة، وليست مجرد خدمات مساندة لها. 

 

ويعني ذلك أن تعطل البنية الرقمية قد يوقف الإنتاج، حتى مع جاهزية المعدات؛ ما يجعل الاستثمار في الاتصال والحوسبة والأمن جزءًا من الاستثمار الصناعي نفسه.

التوأم الرقمي يختبر المصنع قبل بنائه

تمثل التوائم الرقمية أحد أبرز تطبيقات التكامل بين الذكاء الاصطناعي والصناعة.

وتقوم التقنية على إنشاء نموذج افتراضي للمنشأة أو شبكة الطاقة أو المياه أو عملية الإنتاج، ثم اختبار أدائها تحت ظروف مختلفة قبل تنفيذ القرارات على أرض الواقع.

ويمكن استخدامها في:

  • محاكاة الطاقة والموارد المطلوبة.
  • اكتشاف مشكلات التصميم قبل الإنشاء.
  • توقع الأعطال والاختناقات.
  • اختبار خطط التوسع.
  • تقييم سيناريوهات الطوارئ.
  • خفض الهدر المالي والبيئي.

ويرى المرشدي أن المحاكاة الرقمية تمنح المؤسسات قدرة أكبر على اتخاذ القرار بناءً على البيانات، وتقلل تكلفة التجربة والخطأ داخل المشروعات الفعلية. 

 

البحث والتطوير يحمي الصناعة من التقادم

لا تحقق البنية التحتية المتقدمة قيمتها الكاملة من دون منظومة بحث وتطوير قادرة على تحسين التقنيات وإنتاج حلول جديدة.

ويقول المرشدي:

«في اقتصاد المعرفة العالمي، أصبحت القدرة التنافسية للدول رهينة بمدى قوة ومرونة بنيتها التحتية المستدامة».

ويؤكد أن الاستثمار في هذه البنية لا يمثل تكلفة إضافية، بل استثمارًا طويل الأمد يدعم استمرارية النمو، ويقلل الأثر البيئي، ويزيد قدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمات والتحولات التقنية.

أما البحث والتطوير، فيؤدي دورًا مختلفًا لكنه مكمل؛ إذ يمنع المؤسسات من الوقوع في التقادم التكنولوجي، ويمكّنها من تطوير حلول أسرع وأكثر كفاءة وأقل تكلفة.

وبذلك لا تكتفي الدول التي تستثمر في البحث والتطوير بملاحقة التغيرات، بل تشارك في صناعتها، وتتحول إلى وجهة للكفاءات والاستثمارات النوعية.

من استيراد الحلول إلى توطين المعرفة

قد تستطيع المؤسسة شراء أحدث التقنيات، لكنها تظل معتمدة على المورد الخارجي إذا لم تنتقل إليها المعرفة اللازمة لتشغيل التقنية وتطويرها وصيانتها.

ويحدد المرشدي التحول المطلوب بقوله:

«نحن بحاجة إلى الانتقال من نموذج استيراد الحلول إلى توطين المعرفة».

ويتطلب ذلك ألا تقتصر الشراكات التقنية على توفير المنتج، بل تشمل:

  • نقل المهارات إلى الفرق الوطنية.
  • إشراك الشركات المحلية في التنفيذ.
  • تطوير مراكز البحث والابتكار.
  • تدريب الكفاءات على تشغيل الأنظمة وتعديلها.
  • بناء خوارزميات وحلول تستجيب للاحتياجات المحلية.
  • إنتاج ملكية فكرية ومنتجات قابلة للتوسع.
  • ضمان استمرارية المعرفة بعد انتهاء العقود.

ومن هذا المنظور، تُقاس جودة الشراكة بمقدار ما تتركه داخل الاقتصاد من مهارات وشركات ومنتجات، لا بعدد الحلول المستوردة فقط.

الأمن السيبراني يحمي الإنتاج والاقتصاد

يرافق توسع استخدام إنترنت الأشياء والحوسبة السحابية خطر متزايد على المنشآت الصناعية وشبكات الطاقة وسلاسل التوريد.

فالاختراق الرقمي قد يؤدي إلى تعطيل المعدات، أو تغيير بيانات التشغيل، أو تسريب الملكية الفكرية، أو توقف خدمات حيوية.

ويرى المرشدي أن الأمن السيبراني أصبح درعًا للاقتصاد الرقمي، وليس عبئًا تشغيليًا منفصلًا، داعيًا إلى بناء بنية مرنة تعتمد على الرصد الاستباقي للتهديدات، واختبارات الاختراق المستمرة، ومحاكاة الثغرات، وخطط التعافي واستمرار الأعمال. 

 

وتزداد الحماية فاعلية عندما تُدمج منذ مرحلة تصميم النظام، بدلًا من إضافتها بعد تشغيل المنشأة واتصالها بالشبكات والبيانات.

تمويل التحول ونقل التقنية

يتطلب الانتقال إلى الصناعة الذكية استثمارات طويلة الأجل قد يصعب توفيرها من خلال التمويل التقليدي وحده.

ويرى المرشدي أن تقليص فجوة التمويل يحتاج إلى توسيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتطوير أدوات مثل الصكوك الخضراء وصناديق الاستثمار في التكنولوجيا المستدامة.

ولا تقتصر أهمية هذه الأدوات على توفير رأس المال، بل تساعد على توجيه الاستثمار إلى مشروعات تجمع بين العائد الاقتصادي والاستدامة البيئية وتطوير التقنية.

وفي جانب نقل التكنولوجيا، يدعو المرشدي إلى بناء منظومات تعاونية تدعم مراكز الابتكار، وتنقل المهارات، وتوسع الوصول إلى المعرفة التقنية، بما يسمح للاقتصادات الصاعدة بالمشاركة في الاقتصاد الرقمي بدل الاكتفاء باستهلاك منتجاته.

كيف نعرف أن القدرة الوطنية تحققت؟

يمكن قياس تحول الشراكات إلى قدرة وطنية من خلال مؤشرات عملية، من أبرزها:

  • الأنظمة التي تديرها وتطورها فرق وطنية.
  • الكفاءات المتخصصة التي انتقلت إليها المعرفة.
  • الشركات المحلية المشاركة في سلاسل التوريد.
  • الحلول التي وصلت إلى التشغيل الصناعي.
  • الخوارزميات والمنتجات المطورة محليًا.
  • الملكية الفكرية وبراءات الاختراع.
  • انخفاض الهدر والأعطال والتكاليف.
  • قدرة المؤسسات على الصيانة والتطوير دون اعتماد كامل على المورد.
  • المنتجات والخدمات التقنية القابلة للتصدير.

وتنقل هذه المؤشرات مفهوم التوطين من إعلان عام إلى أثر اقتصادي ومعرفي يمكن التحقق منه.

الخلاصة

تتحول العقود التقنية إلى قدرة وطنية عندما تصل نتائجها إلى المصنع والباحث والمهندس والشركة المحلية، وعندما يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لتحسين الإنتاج وتطوير نماذج الأعمال، لا مجرد منصة منفصلة عن الاقتصاد الحقيقي.

وتؤكد قراءة د. متعب المرشدي أن الصناعة المستقبلية تقوم على أربعة عناصر مترابطة: بنية رقمية مستدامة، وبحث وتطوير مستمر، وأمن سيبراني يحمي التشغيل، وشراكات تنقل المعرفة بدل الاكتفاء بنقل المنتجات.

فاستيراد التقنية قد يسرّع بداية التحول، لكن توطين المعرفة هو ما يمنح الصناعة القدرة على الاستمرار والمنافسة وصناعة حلولها المقبلة.

 

«التحول الرقمي هو المحرك الجوهري لإعادة تعريف مفهوم القيمة في الصناعة الحديثة».

«الدول التي تدعم البحث والتطوير لا تكتفي بمواكبة التغيرات، بل تشارك في صناعتها».

«نقل التكنولوجيا يجب أن ينتقل من استيراد الحلول إلى توطين المعرفة».

عهود الزهراني

محررة ومراسلة ميدانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى