الرياضيةالمجتمع

في مضمار الصم.. حين تعلّم الجميع لغة التواصل

في بطولات ألعاب القوى عادةً ينشغل الحكم بالزمن، والمحاولة، والدور، وصحة الأداء. لكن في بطولة المملكة لألعاب القوى للصم، كان هناك شيء آخر نتعلمه ونحن نقف داخل المضمار: كيف نتواصل؟

كانت لدي معرفة بسيطة جدًا بلغة الإشارة، لكنها في هذه البطولة أصبحت جزءًا عمليًا من دوري كحكم.

بدأت أستعيد بعض الإشارات التي أعرفها: ابدئي، انتظري، جاء دورك، توقفي قليلًا، أعيدي المحاولة، استراحة.

عبارات قصيرة جدًا، لكنها داخل المنافسة كانت كافية أحيانًا لصناعة تواصل مباشر بين الحكم واللاعبة، من دون وسيط.

والأجمل أن الأمر لم يتوقف عند من يعرف لغة الإشارة.

بعض الحكام الذين لم تكن لديهم خبرة سابقة بدأوا تلقائيًا يبحثون عن طريقة أخرى للتواصل؛ باستخدام الإشارات الوصفية، وحركة اليد، وتوضيح الموقف بصريًا، ومحاولة الوصول إلى معنى مشترك مع اللاعب أو اللاعبة.

لم يقل لهم أحد: يجب أن تتعلموا الآن.

الموقف نفسه جعلهم يحاولون.

وهنا، بالنسبة لي، بدأت القصة الحقيقية للبطولة.

لم تكن البطولة للصم وحدهم

بطولة المملكة لألعاب القوى للصم لم تقدم منافسات للصم فقط، بل وضعت السامعين أيضًا داخل تجربتهم.

ففي كل زاوية تقريبًا كان مجتمع الصم حاضرًا: لاعبون ولاعبات، إعلاميون، مصورون، متطوعون، إداريون، وصم وضعاف سمع وزارعو قوقعة، يعملون ويتنافسون ويتواصلون داخل مساحة واحدة.

حتى لغة المكان كانت مختلفة.

لغة الإشارة لم تكن فقرة تعريفية، ولم تكن عرضًا مصاحبًا للبطولة، وإنما كانت جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية داخلها.

ومن لا يعرفها، يبدأ في البحث عن وسيلة أخرى كي يُفهم ويَفهم.

وهنا نجح الاتحاد السعودي لرياضة الصم في تقديم شيء يتجاوز التنظيم الرياضي.

ثقافة لم تحتج إلى شرح

كثيرًا ما نتحدث عن نشر ثقافة الأشخاص ذوي الإعاقة، ونقيم لذلك محاضرات وحملات وبرامج توعوية.

لكن ما حدث في البطولة كان مختلفًا.

لم يقدم الاتحاد ثقافة الصم باعتبارها موضوعًا يجب أن نحفظ معلومات عنه، بل جعلنا نعيش جزءًا منها.

نحن السامعين احتجنا إلى أن ننتبه أكثر.

أن ننظر إلى الشخص أثناء التواصل.

أن نحاول استخدام إشارة.

أن نعيد وصف موقف ما بحركة بسيطة.

أن نفكر: كيف أوصل هذه المعلومة إذا لم تكن الكلمات المنطوقة هي الوسيلة الأساسية؟

وهذه وحدها تجربة تعليمية.

لأنك تبدأ في فهم أن التواصل مع الصم لا يبدأ دائمًا من إتقان لغة الإشارة بالكامل، بل من الرغبة في الوصول إلى الآخر، والاستعداد لتغيير طريقتك المعتادة في التواصل.

الاتحاد قدّم ثقافة الصم من داخلها

ما لفتني أكثر أن الاتحاد السعودي لرياضة الصم لم يجعل الصم مجرد لاعبين داخل بطولة تحمل اسمهم.

كانوا جزءًا من صناعة الحدث نفسه.

في الإعلام هناك صم.

في التصوير هناك صم.

في التطوع هناك صم.

في العمل الإداري والتنظيمي هناك حضور للصم وضعاف السمع.

وفي المضمار هناك لاعبون ولاعبات يمثلون تجارب مختلفة داخل مجتمع الإعاقة السمعية.

وهذا هو الفارق.

أن تقدم ثقافة مجتمع من خلال أفراده أنفسهم، لا من خلال شخص آخر يتحدث نيابة عنهم.

وهو معنى انعكس كذلك في حديث رئيس مجلس إدارة الاتحاد السعودي لرياضة الصم الأستاذ خالد عبدالخالق الفارسي، حين أشار إلى أن البطولة لا تتوقف عند المنافسة، بل تحمل دورًا في التعريف بثقافة الصم وإبراز قدراتهم.

وما كان يقال في الكلمة، كان يمكن رؤيته بالفعل في أرض البطولة.

مشاركة السيدات كانت بداية.. وليست كل القصة

صحيح أن البطولة حملت حدثًا مهمًا بمشاركة السيدات في منافسات ألعاب القوى للمرة الأولى، لكن التجربة لم تكن مميزة لهذا السبب وحده.

إحدى اللاعبات من زارعات القوقعة تحدثت عن أنها جاءت للمنافسة، لكنها خلال البطولة تعرفت إلى لاعبات أخريات، وكوّنت صداقات، وبدأت تتعلم لغة الإشارة من الفتيات الموجودات معها.

حتى بين المشاركات أنفسهن كانت البطولة تصنع مساحة جديدة للتعارف والتعلم.

وهنا تتحول الرياضة من مجرد منافسة إلى مساحة اجتماعية.

عندما يصبح المضمار مساحة للتعلّم

أكثر ما خرجت به شخصيًا من البطولة لم يكن مشهدًا واحدًا أو نتيجة منافسة.

كان ذلك التحول البسيط الذي رأيته فينا نحن الحكام.

حكم يعرف بعض الإشارات فيستخدمها.

وآخر لا يعرفها، فيحاول أن يصف بيديه.

وشخص يكرر الحركة مرة أخرى حتى تصل الرسالة.

ولاعبة تفهم، فتستكمل المنافسة بشكل طبيعي.

مشاهد صغيرة، لكنها تقول الكثير عن معنى الإتاحة الحقيقي.

فالتهيئة ليست دائمًا مترجمًا يقف بين شخصين، وليست دائمًا تعليمات مكتوبة مسبقًا.

أحيانًا تبدأ بأن يدرك الإنسان أن الطرف الآخر يتواصل بطريقة مختلفة، ثم يبذل هو أيضًا جهدًا كي يلتقي معه في المنتصف.

لهذا كانت بطولة المملكة لألعاب القوى للصم بالنسبة لي مختلفة.

لم أشاهد فيها ثقافة الصم من بعيد.

كنت واحدة ممن اضطروا إلى الاقتراب منها، واستعادة ما أعرفه من إشارات، وتجربة طرق جديدة للتواصل.

وهنا نجح الاتحاد في رسالته ربما بأبسط صورة ممكنة:

لم يطلب منا أن نتعلم ثقافة الصم.

بل صنع موقفًا جعلنا نرغب في فهمها.

عهود الزهراني

‏رئيس قسم صحافة البيانات والذكاء الاصطناعي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى