المقالات

متى تبلغ الجامعة سن الرشد المؤسسي؟

بعد أكثر من عقد على تأسيس عدد من الجامعات السعودية الناشئة، أصبح سؤال الرشد المؤسسي أكثر إلحاحًا من سؤال التأسيس نفسه.

بدأ هذا السؤال بالنسبة لي من حكم قضائي حول بدل مالي، ثم اتسع إلى سؤال أكبر: متى تتوقف الجامعة عن أن تكون ناشئة؟

كثير من الجامعات الناشئة خرجت من جامعات أم، وورثت عنها لوائح وإجراءات وكفاءات وخبرات، وورثت كذلك أخطاءً دفعت الجامعة الأم ثمنها عبر سنوات حتى تحولت إلى معرفة مؤسسية. كان عمر الجامعة الجديدة قصيرًا، فيما كان عمر خبرتها أطول منها.

المؤسسة التي ورثت كل ذلك يفترض أن تبدأ من حيث انتهى من سبقها. قيادة تضيف طبقة جديدة إلى البناء، فتتراكم الخبرة. وقيادة تعيد تفسير اللوائح، وتوزيع الصلاحيات، وتصميم الإجراءات والنماذج، فتستهلك المؤسسة جزءًا من عمرها في إعادة بناء ما عرفته من قبل. الأولى تراكم المعرفة، والثانية تراكم البدايات.

الرشد المؤسسي يبدأ عندما تصبح ذاكرة المؤسسة أطول من مدة بقاء قيادتها، فتنتقل المعرفة من عقل الفرد إلى النظام، وتجد القيادة الجديدة أمامها خبرة محفوظة تعرف ما نجح، وما أخفق، وما يستحق التطوير.

الحكم القضائي الذي بدأ منه هذا السؤال يقدم مثالًا صغيرًا على قضية أكبر. جاء الحكم منضبطًا بحدود الدعوى؛ فرّق بين خطأ الإدارة في تفسير نطاق النص وبين حالات الغش والتدليس، وقصر أثره على فترة محددة، فألزم الجامعة بإعادة ما حُسم خلالها ورفض ما تجاوز ذلك.

انتهى الحكم، وبقي السؤال المؤسسي: كيف وُلد القرار؟ من راجع تفسيره؟ من قدّر أثره ومخاطره قبل أن يصل إلى التنفيذ؟

القضاء صحح أثر القرار بعد وقوعه. الحوكمة تبدأ قبله؛ عند قراءة النص، وتقدير أثره المالي، ومراجعته، وتحديد الصلاحية والمسؤولية. قيمة هذه المنظومة تتجاوز منع الخطأ الواحد، فهي تحفظ سببه ونتيجته حتى يصبح الخطأ الذي دفعت المؤسسة ثمنه مرة معرفةً تحميها من دفع الثمن مرة أخرى.

الرشد نفسه يظهر في ترتيب الأولويات. فالجامعة تعلن فلسفتها الحقيقية في ميزانيتها أكثر مما تعلنها في شعاراتها. كل ريال يُخصص لمشروع هو قرار بشأن ما تراه الجامعة أهم.

قد يتقدم مشروع ذو أثر بصري على قاعة دراسية أو معمل بحثي أو بنية أكاديمية ينتظرها الطالب والأستاذ. عندها تصبح المفاضلة بين المشاريع ترتيبًا للرسالة نفسها؛ فالمبنى الجامعي تكتسب قيمته مما يصنع داخله من تعليم وبحث ومعرفة.

واستمرار العملية التعليمية سنوات طويلة في مبانٍ مؤقتة تجاوزت عمرها المخطط يحوّل حالة المبنى إلى مؤشر على موقع البيئة الأكاديمية في سلم الأولويات.

كفاءة الإنفاق في الجامعة تُقاس أيضًا بما يبقى بعد الإنفاق. كم باحثًا نوعيًا استقطبت؟ كم معملًا أصبح منتجًا؟ كم برنامجًا نضج؟ كم شراكة تحولت إلى مشروع؟ وما الذي تستطيع الجامعة فعله اليوم ولم تكن تستطيع فعله قبل خمس سنوات؟

قد تنتهي السنة المالية بمشروعات مكتملة وأرقام إنفاق جيدة، بينما القيمة الأهم تتراكم في مكان آخر: القدرة.

فالجامعة التي تستثمر في الإنسان والمعمل والمعرفة والأنظمة تبني أصولًا مؤسسية تعيش أطول من المشروع وأطول من القيادة التي أنجزته.

وتغير القيادة هو الاختبار الأصعب.

من حق كل قيادة أن تحمل رؤيتها، وأن تطور وتصحح وتضيف. قيمة القيادة الجديدة فيما تضيفه إلى رصيد المؤسسة، وقيمة المؤسسة فيما تسلمه إليها من رصيد. تجد أمامها ذاكرة تعرف لماذا اتُّخذ القرار، وماذا حقق، وأين أخفق، ثم تترك لمن بعدها مؤسسة وصلت إلى نقطة أبعد.

قد تمر عشرون عامًا على جامعتين. تقضي إحداهما سنواتها في إعادة بناء ما أعادت قياداتها تعريفه، وتقضي الأخرى السنوات نفسها في إضافة معرفة فوق معرفة، وقدرة فوق قدرة.

كلتاهما كبرت عشرين عامًا. واحدة منهما راكمت عشرين عامًا.

سن الرشد المؤسسي تقيسه قدرة الجامعة على تحويل خبرتها إلى نظام، والنظام إلى ثقافة، والثقافة إلى قرار؛ فيصبح الفصل الدراسي قبل الواجهة، والمعمل قبل الصورة، والقدرة التي تبقى بعد المشروع أهم من لحظة افتتاحه.

وتبلغ الجامعة سن الرشد حين تأتي قيادة جديدة، فلا تسأل: من أين أبدأ؟

تسأل: أين انتهت الجامعة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى