لسنوات طويلة، كانت كفاءة التجارة العالمية تُقاس بسؤال بسيط: ما أقصر طريق بين نقطتين؟ على هذا السؤال قامت قرارات الموانئ والطرق والاستثمار، وكانت المسافة والزمن معيارَي الكفاءة.
عام 2026 غيّر السؤال. منذ أواخر فبراير يتعطل مضيق هرمز على فترات، آخرها مطلع أكتوبر. والسفينة التي تختصر أيامًا في البحر ثم تدخل منطقة مرتفعة المخاطر تخسر ما وفرته: التأمين يرتفع، والجداول تنهار، والتدفقات تتأخر. صار السؤال الأهم: ما الطريق الذي يستطيع الاستمرار؟
انتقلت اللوجستيات من هندسة المسافة إلى هندسة الاستمرارية.
المملكة كانت تبني لهذا السؤال قبل أن يفرض نفسه. الموقع بين آسيا وأوروبا وأفريقيا يمنح الفرصة، والشبكة تصنع القيمة. الميناء يستقبل السفينة، والشبكة تسأل: أين تذهب البضاعة بعد نزولها؟ كيف تتحرك إذا تعطلت عقدة؟ أي طريق يبقى متاحًا إذا أُغلق الآخر؟
في هندسة النظم تُقاس هذه القدرة بالتوافرية، أي احتمال أن تبقى الخدمة متاحة وقت الحاجة. ببساطة: مسار توافريته 90% يوقف التجارة يومًا من كل عشرة، ومساران مستقلان يرفعانها إلى 99%. والكلمة الحاسمة هي «مستقلان». بيت له بابان على الممر نفسه يملك مخرجًا واحدًا. وطريقان يمران بالعقدة نفسها يبدوان على الخريطة مسارين، ثم تكشف الأزمة أنهما طريق واحد.
جاء الاختبار الأول في مارس. انطلقت عشرة مسارات برية من سبعة موانئ على البحر الأحمر، توصل الحاويات المحوّلة عن موانئ الخليج إلى دول الخليج خلال نصف يوم إلى أربعة أيام. وفي يونيو ارتفعت الحاويات الواردة إلى ميناء جدة الإسلامي 63% عن العام السابق. البحر في الشرق، والبحر في الغرب، وبينهما دولة تحرّك التدفقات عبر أراضيها.
ورأس المال قرأ الشبكة بالطريقة نفسها. في فبراير استحوذت APM Terminals، التابعة لـMaersk، على 37.5% من محطة الحاويات الجنوبية في جدة، واحتفظت DP World بالحصة الأكبر والتشغيل. وفي يوليو وقّعت «موانئ» سبعة عقود لمراكز لوجستية في جدة والخمرة بنحو مليار ريال، فارتفعت المراكز المرتبطة بالموانئ إلى 34، منها 17 في جدة. وفي أغسطس أعاد تحالف Gemini خط AE19 عبر قناة السويس، فتقلصت دورته من 16 أسبوعًا إلى 14، وصار يدخل جدة مرتين. شركة الملاحة تعدّل جدولها في أيام، والحصة في المحطة تُشترى لسنوات. رأس المال يضع أصوله حيث يتوقع أن تبقى التدفقات قادرة على الحركة.
ثم جاء الاختبار الأصعب. في 10 سبتمبر أصابت مسيّرات خط شرق–غرب، البديل الذي ينقل النفط إلى ينبع بعيدًا عن هرمز، فأُغلق احترازيًا. وفي اليوم التالي امتد الضغط الأمني إلى باب المندب. صار طرفا الشبكة تحت الضغط معًا، وصار البديل نفسه هدفًا.
التوافرية تُقرأ من عاملين رئيسيين: الزمن بين الأعطال، وزمن استعادة الخدمة. وتعمل هندسة الاستمرارية على الاثنين: إطالة زمن التشغيل، وتقليص زمن الاستعادة. قال وزير الطاقة إن المملكة عادت لاستخدام خط شرق–غرب خلال خمسة أو ستة أيام من استهدافه، وإن الضخ بلغ صباح السادس من أكتوبر 5.8 مليون برميل يوميًا، وإن تعدد الخيارات اللوجستية مكّن المملكة من التعامل مع الأزمة.
زمن التعافي بنية تحتية بحد ذاته.
فرق الصيانة، والمخزون في نهاية الخط، والإجراءات، وسرعة القرار، كلها عناصر غائبة عن الخريطة. وهي التي تحوّل الأنبوب من أصل قائم إلى خدمة مستمرة.
وقال رئيس أرامكو إن تكلفة بناء خط شرق–غرب استُردّت خلال أربعة عشر يومًا من بدء الصراع. خط بُني في الثمانينيات تحسبًا لحرب الناقلات، وسدّد ثمنه في أسبوعين. هذه طبيعة الاستمرارية: البديل يُحاسَب في زمن السلم بمنطق الكلفة، ويُقاس في الأزمة بمنطق التأمين. والدولة التي تقرأ بنيتها التحتية بالمنطق الثاني ترى في الطاقة الفائضة وثيقة تأمين وطنية.
الطبقة التالية من الشبكة تُبنى على المبدأ نفسه: مخارج متعددة ونقاط اختناق مختلفة. الجسر البري السككي، بطول 1,500 كيلومتر بين جدة والرياض والدمام والجبيل، أُسند عقد تصميمه في أبريل، ويُستهدف اكتماله في 2034، فيمنح الحاوية خيارًا بريًا تختلف نقاط اختناقه عن البحر.
والمبدأ يمتد إلى الموانئ. ميناء جدة ناول في 2025 نسبة 47.3% من حاويات المملكة، وتوزيع القدرة بين موانئ البحر الأحمر يضيف للشبكة عقدًا ومسارات تستطيع حمل جزء من التدفق عند تعرض إحدى العقد للضغط. فالمرونة الحقيقية تبدأ عندما تتعدد الموانئ والمسارات ووسائط النقل، وتختلف نقاط الاختناق بينها.
حين تحمل أراضي المملكة حاويات الخليج وقت اضطراب هرمز، تتجاوز قيمة الشبكة حدودها الوطنية. وقد دعا وزير الطاقة دول مجلس التعاون إلى الشراكة في منظومة الطاقة. قدرة المملكة على إبقاء جزء من التدفقات الإقليمية متحركًا تضيف إلى موقعها وزنًا في قرارات التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد.
ومعيار المنافسة في العقد المقبل يتغير تبعًا لذلك. الشركات تقارن الموانئ اليوم بعمق الأرصفة وسرعة المناولة، وستضيف إلى المقارنة سؤالين: كم مخرجًا مستقلًا يملك هذا المكان؟ وكم يومًا يحتاج ليعود بعد التعطل؟ الدولة التي تقيس هذين الرقمين وتعلنهما بشفافية، كما تعلن ترتيبها في مؤشر الأداء اللوجستي، تحوّل الاستمرارية من وعد إلى أصل قابل للتسعير.
كل يوم تستمر فيه الحركة أثناء الاضطراب يراكم أصلًا يصعب شراؤه: الثقة في المكان. على هذه الثقة تقرر الشركات أين تضع مخزونها الإقليمي ومراكز توزيعها ومصانعها. والحاوية التي تتوقف لتُخزَّن وتُجمَّع ويُعاد تصديرها تترك وراءها قيمة ومعرفة ووظائف. هكذا تنتقل المملكة من دولة تمر بها التجارة إلى دولة تعمل داخلها التجارة.
لعقود كان السؤال: ما أقصر طريق بين نقطتين؟ واليوم صار: كم طريقًا مستقلًا نملك بينهما، وكم يومًا نحتاج إذا أُغلق أحدها؟
تلك هي هندسة الاستمرارية اللوجستية: أن تبني البديل في زمن السعة، وتستخدمه في زمن الضيق، وتعيد الطريق إلى العمل قبل أن يتحول التعطل إلى انقطاع..


