المقالات

إخلاء طرف

حملت الأيام التي تلت نشر مقالي «أخشى أن ينجح المشروع» رسائل كثيرة، اختلفت فيها المؤسسات وتشابهت الحكايات. مشروع احتُفل بإطلاقه ثم اختفى. فريق أمضى سنوات في بناء قدرة مؤسسية حتى صار وجودها مألوفًا، ثم تغيرت الأولويات وتفرّق أصحابها. ومنتجات وُصفت يوم شرائها بالذكية، وانتهى بها المطاف في ساحات مكشوفة، كأن الغاية الأخيرة من الابتكار اختبار مقاومته للصدأ وحرّ الصيف.

ووراء كل حكاية إنسان. باحث بنى مختبرًا، وموظف حفظ تفاصيل تضيق عنها التقارير، وزميل غادر بعدما أدرك أن المؤسسة تحتفظ بصور التكريم أطول مما تحتفظ بأسبابه. وأكثر ما يؤلم صاحب الإنجاز أن يُطلب منه البدء من جديد، في عمل يعرف أنه أنجزه بالأمس.

وتزامنت الرسائل مع يوم أمضيته بين تقارير المقررات: مخرجات تعلم، وشواهد قياس، وتحليل فجوات، ومتابعة توصيات الفصل الماضي. وفي كل تقرير يُسأل الأستاذ: ماذا وعدت؟ وماذا تحقق؟ وماذا فعلت بما تعثر؟

غلبني النعاس، فرأيت في المنام مسؤولًا انتهت مدة تكليفه، ووجدتني أتابع إجراءات إخلاء طرفه.

دخل المسؤول المكتب حاملًا المفاتيح وجهاز الحاسب وقائمة العهد. راجع الموظف المستندات بهدوء، ثم طلب سجل المبادرات التي اعتمدها خلال مدة تكليفه.

أخبره المسؤول بفخر أن صور تدشينها محفوظة، وأن أغلبها حظي بتغطية إعلامية واسعة.

قال الموظف: نحتاج إلى تقارير إغلاقها.

وفتح نموذجًا إلكترونيًا يبدأ يوم اعتماد المبادرة: أهدافها، ومواردها، والقدرة التي وُعدت بها المؤسسة. وتظل صفحته الأخيرة مفتوحة منذ ذلك اليوم، تنتظر من يكتب فيها ما تحقق وما تعثر وما استُهلك، وما يُسلَّم لمن سيأتي بعده.

وجدت الأمر مألوفًا بصورة مزعجة. إنه تقرير المقرر الذي راجعته نهارًا، وقد كبر حتى صار يُسائل القرارات.

اعترض المسؤول بأن بعض المبادرات تحتاج إلى سنوات حتى تظهر نتائجها.

أجابه الموظف: لهذا تنتقل بسجلها إلى المسؤول التالي، ويُكتب فيه ما تسلّمه منها، وما أضافه إليها، وما تركه لمن بعده.

بدت الإجابة مقنعة للمسؤول، ثم سأله باهتمام: ومن يحفظ اسمي على ما بنيت؟

ابتسم الموظف، وأوضح أن النظام يحتفظ باسم صاحب المبادرة الأول، وبكل من تولاها بعده، وما أضافه كل واحد منهم.

تهلّل وجه المسؤول. فقد وجد أخيرًا وسيلة تمنع اختلاط الأنساب الإدارية؛ فمن زرع يُعرف أنه زرع، ومن رعى يُذكر فضله، ومن قطف يُعرف ما وجده جاهزًا يوم وصل. ولن يستطيع مسؤول جديد أن يقف أمام الكاميرات معلنًا نجاح مشروع ورثه، دون أن يحتفظ التاريخ باسم صاحبه الأول.

ثم أعاده الموظف إلى نموذج إخلاء الطرف، وأشار إلى خانات فارغة بعدد مبادراته.

تأملها المسؤول طويلًا، وكانت بعض المبادرات التي احتفل بإطلاقها تحتاج إلى إجابات أكثر من حاجتها إلى توقيع.

واستيقظت قبل أن يُخلي طرفه.

بقيت مستلقيًا أبحث في هاتفي عن رقم مفسّر للرؤى؛ فقد تحمل الأحلام بشائر. وبين الأرقام خطرت لي فكرة أجمل.

لماذا لا نمنح كل مبادرة رقمًا إلكترونيًا ثابتًا يبدأ بالرقم الوظيفي للمسؤول الذي اعتمد إطلاقها، يليه رقم تسلسلي يميزها عن أخواتها؟ يرافقها الرقم أينما انتقلت في الهيكل، ومهما تبدّل اسمها، وتُسجَّل تحته أهدافها ومواردها ونتائجها وأسماء من تعاقبوا عليها.

وعند انتهاء التكليف، تظهر أمام المسؤول جميع المبادرات المرتبطة برقمه الوظيفي، ليُغلق ما اكتمل منها، ويُسلّم ما استمر، ويوثّق مصير ما تعثر. وتظل سجلاتها محفوظة، بما فيها من قرارات وتوصيات وموارد استُهلكت وقدرات أُضيفت أو فُقدت.

تخيلت مقدار السعادة التي ستغمر المسؤولين بهذا النظام. أخيرًا سيُحفظ لكل فكرة نسبها، ولكل إنجاز صاحبه، ولن يضيع فضل من أطلق المبادرة إذا نضجت ثمارها في عهد خلفه.

ثم خطر لي أن هذا الرقم سيبقى ملازمًا للمبادرة طوال عمرها، وأن النظام قد يتيح يومًا مراجعة القرارات القديمة، وربط نتائجها وتكاليفها بأصحابها، ولو بعد سنوات من مغادرتهم.

وتخيلت المسؤول الذي رأيته في المنام، وقد عاد إليه ملف مبادرة ظن أنه أغلقها منذ زمن، تحمل رقمه الوظيفي، وتنتظر منه إجابة عن مصيرها.

فتعوذت بالله من الشيطان الرجيم، ونفثت عن يساري ثلاثًا.

وقررت إغلاق ملف المقترح، قبل أن يُفتح ملف أحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى