الخاصةالمقالات

الصين بعين سعودية 3 .. من المعارض الثقافية … إلى شراكة ثقافية مستدامة

في السنوات الأخيرة، شاهدنا معارض وفعاليات ثقافية سعودية في الصين، وأخرى صينية في المملكة، وكانت هذه المعارض وسيلة مهمة لإبراز ثقافة البلدين وحضارتهما، ولا سيما خلال عامي 2025 و2026م. وبما أن السعودية والصين تمتلكان إرثا حضاريا وثقافيا عريقا، فلماذا لا تتحول هذه الفعاليات من مناسبات موسمية إلى شراكة ثقافية مستدامة بين البلدين؟

تمتلك وزارة الثقافة السعودية عددا من الهيئات المتخصصة في مختلف المجالات الثقافية، ويمكن من خلال الشراكة الثقافية المستدامة تفعيل دور هذه الهيئات، وتبادل الخبرات مع المؤسسات الصينية، وإنشاء قنوات دائمة للتعاون في مجالات الثقافة والأدب والفنون والتراث والترجمة.

وبصفتي باحثا، أحتاج إلى تنويع المراجع والمصادر لإخراج البحوث بصورة أكثر رصانة. ومن هنا يمكن الاستفادة من هيئة الأدب والنشر والترجمة، من خلال إطلاق مشاريع مشتركة لترجمة الكتب السعودية والصينية في مجالات الإعلام والتاريخ والثقافة وغيرها، بما يعزز المكتبة العلمية في البلدين.

وقد زرت إحدى المكتبات العامة في الصين، وشاهدت عددًا من المصادر الأمريكية والبريطانية المترجمة إلى اللغة الصينية، مما يسهل على القارئ الصيني الاطلاع عليها والاستفادة منها. ومن هذا المنطلق، يمكن إنشاء منصة رقمية سعودية–صينية مشتركة للترجمة والمعرفة، تتحول مع الوقت إلى مكتبة رقمية كبيرة ومرجع علمي موثوق، مع تحفيز المترجمين من خلال الجوائز والتكريم لكل من يساهم في هذا المشروع.

التراث والآثار بين البلدين

تواصل وزارة الثقافة السعودية الاهتمام بالآثار والتراث، وهو ما نراه في المتاحف والمواقع التاريخية السعودية، وفي المقابل تمتلك الصين حضارة عريقة وتجربة واسعة في المحافظة على تراثها.

ومن الممكن إنشاء معهد سعودي–صيني لترميم التراث، يتم من خلاله تبادل الخبرات بين علماء الآثار والمتخصصين السعوديين والصينيين، وتدريب الكوادر على استخدام أحدث التقنيات والأجهزة في مجال الترميم والمحافظة على الآثار.

كما يمكن الاستفادة من تقنيات الواقع الافتراضي في توثيق الآثار وتصويرها وحفظها رقميًا، بما يتيح استخدامها في المعارض الدولية والتعليم والمتاحف الرقمية.

أما في مجال التصميم المعماري، فإن لكل دولة طابعها الخاص الذي يعكس تاريخها وثقافتها، سواء من خلال النقوش أو أساليب البناء والتصميم. ويمكن إنشاء منصة تجمع المعماريين السعوديين والصينيين لتبادل الخبرات والأفكار، على أن تُختتم هذه المبادرة بملتقى دوري يجمع المتخصصين في هذا المجال.

المسرح والسينما السعودية الصينية

وفي مجال المسرح، يمكن تشكيل فرقة مسرحية سعودية–صينية مشتركة تقدم عروضًا مستوحاة من ثقافتي البلدين، بما يسهم في التعريف بالفنون والعادات والتقاليد لدى الشعبين.

وفي مجال السينما، وبالاستفادة من التجربة السعودية في المهرجانات السينمائية، يمكن إنشاء مهرجان سينمائي سعودي–صيني يحمل اسما مثل «جسر الثقافة السعودي–الصيني السينمائي»، يجمع بين الأفلام والفنون والأزياء التقليدية والمأكولات الشعبية في البلدين، ليكون مساحة للتعرف على الثقافة السعودية والصينية من خلال الصورة والفن.

إن الشراكة الثقافية المستدامة يمكن أن تشكل جسرا حقيقيا بين البلدين، لا يخدم الثقافة فقط، بل يمكن أن يسهم أيضا في دعم السياحة والاقتصاد، وتعزيز التقارب بين الشعبين السعودي والصيني، والتغلب على حاجز اللغة من خلال الترجمة والتبادل الثقافي والمعرفي.

ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به ما قالته السيدة وو جينغيا (Wu Jingya)، حرم السفير الصيني لدى المملكة، في تصريح لها لمجلة «الدبلوماسي»، حين تحدثت عن تجربتها في المملكة، قائلة إن تعاملها مع الأصدقاء السعوديين اتسم بالحماس والكرم والمشاعر الطيبة تجاه الشعب الصيني، وإنها لم تشعر بالغربة في المملكة رغم ابتعادها عن وطنها، مشيرة إلى أن الشعبين الصيني والسعودي ينتميان إلى الشرق، ولهما عادات وتقاليد مشتركة أو متشابهة. (China Embassy in Saudi Arabia⁠)

ولذلك، فإن الثقافة قد تكون من أقصر الطرق لبناء جسور أعمق بين الشعبين، وتحويل التقارب بين السعودية والصين من علاقات تقوم على المصالح المشتركة إلى تواصل إنساني وثقافي مستدام.

• ماجستير في العلاقات العامة والاعلام.

صالح عبدالحفيظ

ماجستير في العلاقات العامة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى