قد لا تحتاج الحروب الحديثة إلى إغلاق مضيق بحري حتى تعطّل التجارة العالمية، فأحيانًا يكفي هجوم واحد على سفينة تجارية لترتفع تكاليف التأمين والشحن، وتتغير مسارات السفن، وتتأخر الإمدادات، وينتقل أثر حادث وقع في رقعة محدودة من البحر إلى أسواق واقتصادات تبعد عنه آلاف الكيلومترات.
وهذا الواقع يطرح سؤالًا يتجاوز الأمن البحري إلى القانون الدولي نفسه:
هل يكفي أن يضمن القانون الدولي «حرية الملاحة»، أم أن طبيعة التهديدات الحديثة تستدعي أيضًا تطوير الأدوات التي تحمي «أمن الملاحة» وتمكّن السفن من ممارسة حقها في المرور بأمان؟
البحر الأحمر: قضية دولية
يكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في البحر الأحمر، الذي يربط عبر باب المندب وخليج عدن طرق الملاحة القادمة من المحيط الهندي وآسيا بقناة السويس، ومنها إلى البحر المتوسط وأوروبا. ولذلك لا يبقى اضطراب الملاحة فيه محصورًا في الدول المطلة عليه، بل تمتد آثاره إلى سلاسل الإمداد والتأمين والنقل في مناطق مختلفة من العالم، فتتحول سلامة الملاحة إلى مصلحة دولية مباشرة، حتى لدول لا تشارك في النزاع اليمني ولا تقع في المنطقة.
وقد انعكس هذا البعد في تعامل مجلس الأمن مع الهجمات على السفن التجارية. ففي القرار 2722 الصادر في 10 يناير 2024، أدان المجلس هذه الهجمات وطالب بوقفها، وأكد أهمية ممارسة الحقوق والحريات الملاحية، وأخذ علمًا بحق الدول، وفقًا للقانون الدولي، في الدفاع عن سفنها من الهجمات التي تقوض تلك الحقوق. ثم واصل تمديد التقارير الدورية للأمين العام بشأن هذه الهجمات، وآخر ذلك القرار 2826 الصادر في 14 يوليو 2026، الذي مدّد طلب التقارير الشهرية حتى 15 يناير 2027.
لكن هذا الاهتمام لا يعني انتقال مسؤولية أمن البحر الأحمر من دول المنطقة إلى الخارج، ولا وجود تفويض عام أو مفتوح باستخدام القوة، فسيادة الدول الساحلية ومسؤولياتها القانونية تظل قائمة، وأي إجراء يتعلق باستخدام القوة أو الدفاع عن السفن يجب أن يُقيَّم في ضوء ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، والقواعد المنظمة لاستخدام القوة والدفاع عن النفس بحسب انطباقها على وقائع كل حالة.
ولذلك قد يكون الأدق قانونيًا النظر إلى أمن الملاحة باعتباره مجالًا تتقاطع فيه اختصاصات ومصالح متعددة: الدول الساحلية، ودول العلم، والدول التي تعتمد تجارتها على الممر، والمنظمة البحرية الدولية، ومجلس الأمن، إضافة إلى شركات الملاحة والتأمين. وبذلك ينتقل السؤال من: من يتحمل المسؤولية وحده؟ إلى: كيف تتعاون هذه الأطراف، ضمن قواعد القانون الدولي، لتقليل مخاطر الهجمات، وحماية البحارة، وتبادل المعلومات، وجمع الأدلة؟
الحق في المرور لا يكفي وحده
القانون الدولي لا يبدأ من فراغ في هذا المجال، فاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار أقرت نظام «المرور العابر» في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، ونصّت على ألا تعيق الدول المشاطئة هذا المرور، وعلى عدم جواز تعليقه.
لكن الممر قد يكون مفتوحًا من الناحية القانونية، بينما تجد السفينة نفسها أمام صاروخ أو طائرة مسيّرة أو هجوم صادر عن جهة غير حكومية. وهنا يظهر الفارق بين وجود الحق في الملاحة والقدرة الفعلية على ممارسته بأمان.
حرية الملاحة تجيب عن سؤال: هل يحق للسفينة أن تمر؟
أما أمن الملاحة فيطرح سؤالًا آخر: هل تستطيع السفينة أن تمر من دون أن تتحول إلى هدف؟
وتزداد المسألة تعقيدًا لأن اتفاقية قانون البحار تنظم في جانب مهم منها حقوق الدول والتزاماتها، بينما قد يكون منفذ الهجوم جهة غير حكومية. وفي هذه الحالات لا تختفي الحماية القانونية، وإنما تدخل أطر أخرى. فإذا وقع الفعل في سياق نزاع مسلح، كانت قواعد القانون الدولي الإنساني ذات صلة بحسب انطباقها. كما توفر اتفاقية قمع الأعمال غير المشروعة الموجهة ضد سلامة الملاحة البحرية لعام 1988 إطارًا للتعامل مع أفعال مثل الاستيلاء على السفن بالقوة، وأعمال العنف ضد من على متنها، ووضع وسائل يمكن أن تدمرها أو تلحق بها الضرر، وتُلزم الدول الأطراف باتخاذ إجراءات بشأن مرتكبي الجرائم الداخلة في نطاقها، بما في ذلك مبدأ المحاكمة أو التسليم.
معضلة الإسناد
ويبرز تحدٍّ آخر حين تكون الجماعة المنفذة مرتبطة بدولة أخرى بدرجات مختلفة من الدعم أو التعاون. ففي المجال السياسي قد يمكن وصف جماعة بأنها مدعومة من دولة معينة، لكن نسبة هجوم محدد قانونيًا إلى تلك الدولة تحتاج إلى معايير أدق.
فالمادة الثامنة من مواد لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول تقرر إمكان نسبة سلوك شخص أو جماعة إلى دولة عندما يتصرف هؤلاء بناءً على تعليماتها، أو تحت توجيهها أو سيطرتها، في تنفيذ السلوك المعني. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في قضية نيكاراغوا عام 1986 معيار «السيطرة الفعلية»، ثم أكدت في حكمها في قضية البوسنة والهرسك ضد صربيا عام 2007 ضرورة ارتباط هذه السيطرة أو التعليمات بالعملية المحددة محل البحث، لا بمجمل نشاط الجماعة.
ومعنى ذلك أن الدعم المالي أو التسليح أو التدريب لا يؤدي تلقائيًا إلى نسبة كل فعل تقوم به الجماعة إلى الدولة الداعمة، وإن كان هذا الدعم نفسه قد يثير مسائل قانونية مستقلة.
وهذه الدقة ليست عيبًا في القانون، بل ضمانة لمنع تحول الاتهامات السياسية إلى أحكام قانونية بلا دليل. لكنها تكشف تحديًا عمليًا كبيرًا: فالهجوم قد يقع خلال دقائق، بينما يحتاج إثبات مصدره ونوع السلاح ومساره والجهة التي أمرت به إلى تحقيق فني وقانوني معقد. وفي هذه الأثناء قد تتعرض سفن أخرى للخطر، وتتغير طرق الملاحة، وتتسع آثار الأزمة.
أربعة مجالات عملية
من هنا قد لا يكون السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يحتاج العالم إلى إعادة كتابة قانون البحار؟ بل: كيف يمكن تحسين القدرة على تطبيق القواعد القائمة والتعامل بسرعة أكبر مع التهديدات الحديثة؟ ويمكن أن يبدأ ذلك من أربعة مجالات مترابطة.
أولها تطوير آليات أسرع ومحايدة لجمع الأدلة الفنية، بحيث تُحفظ بيانات الرادار، ومسارات المقذوفات والطائرات المسيّرة، والحطام، وصور الأقمار الصناعية، وسجلات الاتصالات، وشهادات البحارة، بطريقة مهنية يمكن الاستفادة منها لاحقًا في تحديد المسؤولية.
وثانيها ترتيبات أكثر فاعلية لحفظ الأدلة وتبادلها، لأن الحادث الواحد قد تتداخل فيه دولة العلم، والدولة الساحلية، ودول جنسية الطاقم، ودولة مالك السفينة، وجهات دولية متعددة. وكلما تفرقت الأدلة بينها من دون آلية تنسيق واضحة، صعب الوصول إلى نتيجة قانونية موثوقة.
وثالثها تعزيز الإنذار المبكر وتبادل المعلومات البحرية، حتى تحصل السفينة المقتربة من منطقة تهديد على معلومات دقيقة في الوقت المناسب، فيُتجنّب الخطر قبل وقوعه بدل الاكتفاء بالتحقيق فيه بعد حدوثه.
ورابعها حماية البحارة، فهم مدنيون يؤدون وظيفة أساسية لاستمرار التجارة العالمية، ولا ينبغي أن يتحولوا إلى الحلقة الأضعف في صراعات لا علاقة مباشرة لهم بها.
البناء على القائم ودور سعودي ممكن
لا تستلزم هذه المقترحات بالضرورة منظمة دولية جديدة أو معاهدة شاملة. ففي المنطقة أساس قائم يمكن البناء عليه، من بين أدوات أخرى، هو «تعديل جدة لمدونة جيبوتي لقواعد السلوك لعام 2017»، الذي اعتُمد خلال اجتماع للدول الموقعة عُقد في جدة، ووسّع نطاق التعاون الإقليمي ليشمل طيفًا أوسع من الأنشطة البحرية غير المشروعة، بما فيها الإرهاب البحري والجريمة المنظمة، مع تعزيز تبادل المعلومات بين الدول المشاركة.
وقد يتبيّن أن النصوص الحالية كافية في جوانب كثيرة، وأن الفجوة الأساسية تكمن في التنفيذ والتنسيق وسرعة تبادل المعلومات. وهذه نتيجة لا تقل أهمية عن سن قواعد جديدة؛ فليس كل تحدٍّ جديد يحتاج إلى قانون جديد.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى المملكة العربية السعودية، بحكم موقعها على البحر الأحمر ومصالحها المباشرة في استقرار الملاحة، وخبرتها في استضافة العمل الإقليمي المرتبط بتعديل جدة، بوصفها إحدى الدول التي يمكن أن تسهم في هذا النقاش.
ويمكن، بوصفه مقترحًا للنقاش لا تعبيرًا عن موقف رسمي، بحث استضافة المملكة ملتقى قانونيًا وبحريًا متخصصًا يضم خبراء في قانون البحار والقانون الدولي، وممثلين عن الدول الساحلية ودول العلم والمنظمة البحرية الدولية، والمختصين في النقل والتأمين والأمن البحري. ولا يكون هدفه الإعلان مسبقًا عن اتفاقية بعينها، بل طرح سؤال عملي: ما الذي ينقص المنظومة الحالية فعلًا لكي تصبح حماية السفن وجمع الأدلة وتبادل المعلومات أكثر فاعلية؟
قاعدة عامة لا موجّهة
المهم أن يكون أي إطار يُبحث في هذا المجال عامًا ومحايدًا، وألا يُصاغ لمواجهة دولة أو جماعة بعينها. فالقاعدة التي تُفصَّل على مقاس أزمة سياسية محددة تفقد جزءًا من قيمتها عندما تتغير الأطراف، أما القاعدة التي تحمي مبدأً عامًا فتبقى مهما تغيرت النزاعات.
ولهذا ينبغي أن يكون المعيار واحدًا: حماية السفن التجارية، وصون حياة البحارة، واحترام الحقوق الملاحية، وجمع الأدلة بصورة مهنية، وتحديد المسؤولية وفق القانون والدليل، أيًا كانت هوية الطرف المعني. وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول صعوبة الإثبات إلى منطقة رمادية دائمة تبقى فيها المسؤولية غامضة كلما شاركت أطراف غير حكومية في النزاع.
المعادلة المطلوبة دقيقة: مساءلة أكثر فاعلية، من دون التخلي عن معايير الإثبات والعدالة.
فالاقتصاد العالمي يقوم على افتراض بسيط لكنه بالغ الأهمية: أن السفينة التجارية تستطيع الانتقال من ميناء إلى آخر، وأن الخلافات السياسية والعسكرية لن تجعل كل طريق بحري ساحة قتال. وعندما يتراجع هذا الافتراض، لا تعود القضية قضية سفينة واحدة أو دولة واحدة أو نزاع واحد، بل قضية استقرار شبكة التجارة العالمية.
ومن هنا يمكن أن ينتقل النقاش من كيفية التعامل مع كل هجوم بعد وقوعه إلى سؤال أوسع: كيف يستطيع القانون الدولي والتعاون البحري أن يجعلا استهداف السفن المدنية أصعب، والتحقق من المسؤولية أسرع، وحماية الممرات الحيوية أكثر فاعلية، مع بقاء كل ذلك داخل حدود القانون؟
إن حرية الملاحة من المبادئ الأساسية للنظام البحري الدولي، لكن طبيعة التهديدات الحديثة تفرض اليوم سؤالًا آخر إلى جانبها.
فلا يكفي أن يقول القانون إن الطريق مفتوح…الطريق يجب أن يكون قابلًا للعبور أيضًا.
أستاذ القانون الدولي






