الأمن مسؤولية مشتركة، ولا تقتصر المحافظة عليه على الجهات الأمنية أو الجهات الحكومية المختصة، بل تبدأ كذلك من وعي المواطن وإدراكه لدوره في حماية مجتمعه. فالمواطن الذي يمتلك حساً أمنياً واعياً لا ينظر إلى المواقف التي تثير الإشتباه على أنها شأن لا يعنيه، بل يدرك أن ملاحظته وإبلاغه عنها قد تكون سبباً في منع خطر أو معالجة مشكلة قبل تفاقمها.
الحس الأمني لا يعني أن يتحول المواطن إلى رجل أمن، ولا أن يتولى بنفسه التحقيق أو مراقبة الآخرين، وإنما يعني أن يكون منتبهاً لما يحدث من حوله، وأن يميّز بين المواقف الطبيعية والمواقف التي تستدعي لفت إنتباه الجهات المختصة.
وقد تكون المعلومة التي يراها المواطن بسيطة أو غير مكتملة، لكنها قد تكون مهمة عند جمعها مع معلومات أخرى لدى الجهات المختصة. ولذلك فإن تقدير أهمية المعلومة ليس من إختصاص المواطن؛ فدوره الأساسي هو الإبلاغ، ثم تترك مهمة التحقق والتقييم والمتابعة للجهة المعنية.
لا تتردد في الإبلاغ ….. من المهم أن يدرك المواطن أن التردد في الإبلاغ عن ملاحظة أمنية تستحق التنبيه قد يحرم الجهات المختصة من معلومة يمكن أن تساعدها في أداء عملها. ومع توفر وسائل التقنية وسهولة الوصول إلى قنوات البلاغ الرسمية، أصبحت عملية الإبلاغ أكثر سرعة ويسراً، ولم تعد صعوبة الوصول إلى الجهة المختصة مبرراً لعدم الإبلاغ.
ولا يُطلب من المواطن أن يثبت أن ما شاهده يمثل خطراً أو مخالفة، بل أن ينقل ما لاحظه بصدق ووضوح، وتقوم الجهات المختصة بعد ذلك بالتأكد من حقيقة الأمر واتخاذ ما يلزم.
الإبلاغ مسؤولية.. وليس إتهاماً …. من المهم التفريق بين الإبلاغ عن واقعة أو ملاحظة تستدعي التحقق وبين إتهام شخص بإرتكاب مخالفة أو جريمة. فالمواطن يبلغ عما شاهده أو لاحظه، ولا يصدر حكماً أو يوجه إتهاماً.
وهذا الوعي يحمي المجتمع من جانبين في الوقت نفسه: فهو يساعد الجهات المختصة في الوصول إلى المعلومات المهمة، وفي المقابل يمنع إنتشار الاتهامات والشائعات بحق أشخاص دون دليل.
لا تواجه.. ولا تحقق بنفسك ….. عند ملاحظة أمر يثير الاشتباه، ليس مطلوباً من المواطن أن يواجه الشخص المعني أو يتدخل في الموقف أو يحاول جمع الأدلة بنفسه، فقد يؤدي ذلك إلى تعريض نفسه أو الآخرين للخطر أو التأثير في مجريات التعامل مع الواقعة.
والتصرف الصحيح هو الابتعاد عن الخطر، وتجنب المواجهة، واستخدام قناة الإبلاغ الرسمية، وترك التعامل مع الحالة للجهات المختصة.
دقة المعلومات تزيد من قيمة البلاغ …. كلما كان البلاغ واضحاً ودقيقاً، كان أكثر فائدة للجهة المختصة. ولذلك ينبغي للمواطن أن يذكر ما يعرفه فعلاً دون إضافة أو مبالغة، وأن يوضح مكان الواقعة ووقتها وطبيعة ما شاهده، وأي تفاصيل أخرى يمكن أن تساعد في فهم الموقف، متى كان ذلك آمناً وممكناً.
فالمعلومة الدقيقة تساعد على سرعة التقييم، بينما المبالغة أو نقل معلومات غير مؤكدة قد تؤدي إلى إرباك الجهود أو إشغال الجهات المختصة ببلاغات غير صحيحة.
لا تجعل وسائل التواصل بديلاً عن البلاغ الرسمي …. من الأخطاء التي ينبغي التنبيه إليها نشر الصور أو المقاطع أو المعلومات المتعلقة بمواقف مشتبه بها في وسائل التواصل الاجتماعي قبل إبلاغ الجهات المختصة. فالنشر قد يؤدي إلى إنتشار الشائعات، أو الإضرار بسمعة أشخاص، أو كشف معلومات لا ينبغي تداولها، أو التأثير في عمل الجهات المعنية.
والأصل أن تصل المعلومة إلى القناة الرسمية المختصة، لا أن تتحول إلى مادة للتداول والنقاش العام.
التقنية جعلت المسؤولية أكثر وضوحاً …. في الماضي، ربما واجه المواطن صعوبة في الوصول إلى الجهة المناسبة لإيصال ملاحظته، أما اليوم فقد أتاحت التقنية وسائل متعددة وسريعة لتقديم البلاغات والملاحظات للجهات المعنية.
وهذا التطور التقني لا يعني فقط سهولة الخدمة، بل يعزز كذلك مفهوم المسؤولية المجتمعية؛ فحين تصبح وسيلة الإبلاغ متاحة وسهلة، يصبح من المهم أن يستخدمها المواطن عندما يرى ما يستحق التنبيه، بدلاً من الاكتفاء بالقول: «ربما يتولى شخص آخر الأمر».
المواطن عينٌ واعية.. والجهة المختصة صاحبة الاختصاص
العلاقة الصحيحة بين المواطن والجهات المختصة تقوم على التكامل. فالمواطن يلاحظ ويبلغ، والجهة المختصة تتحقق وتقيّم وتتابع وتتخذ الإجراء المناسب وفق الأنظمة.
وهذا التكامل يحقق معادلة مهمة: وعيٌ من المواطن، ودقةٌ في البلاغ، وسرعةٌ في الإيصال، واختصاصٌ في التحقق والمعالجة.
البلاغ الكاذب ليس من الحس الأمني
كما أن عدم الإبلاغ عن الملاحظة المهمة قد يكون سلوكاً سلبياً، فإن تقديم بلاغ كاذب أو متعمد أو قائم على معلومات مختلقة ليس من الحس الأمني في شيء. فالمطلوب هو المسؤولية في الاتجاهين: عدم تجاهل ما يستحق الإبلاغ، وعدم إساءة استخدام قنوات البلاغات.
الأمن يبدأ من الشعور بالمسؤولية
الحس الأمني في جوهره ليس خوفاً أو شكاً دائماً في الآخرين، وإنما هو وعي ومسؤولية وحسن تصرف. والمجتمع الأكثر وعياً هو المجتمع الذي يعرف أفراده متى يبلغون، وكيف يبلغون، وما الذي ينبغي عليهم تجنبه، ويثقون في أن الجهات المختصة ستتولى التحقق والتعامل مع ما يصل إليها من معلومات.
إن المواطن لا يحتاج إلى أن يعرف كل التفاصيل الأمنية حتى يؤدي دوره، ولا يحتاج إلى أن يكون متأكداً 100% من أن الموقف يمثل خطراً؛ فمهمته أبسط من ذلك: أن يلاحظ، وأن يبلغ عند وجود ما يستحق التنبيه، وأن يقدم المعلومة كما شاهدها، ثم يترك للجهات المختصة مهمة التحقق والمتابعة واتخاذ اللازم.
وفي ظل سهولة وسائل الاتصال وتعدد القنوات الرسمية، لم يعد هناك مجال للتردد في أداء هذا الدور متى كانت هناك ملاحظة حقيقية تستدعي التنبيه. فربما تكون ملاحظة صغيرة سبباً في اكتشاف أمر أكبر، وربما يكون بلاغ بسيط سبباً في منع خطر قبل وقوعه.
ومن هنا، فإن الحس الأمني الحقيقي يبدأ من قناعة واضحة: الأمن مسؤولية الجميع، والمواطن شريك فيه، والبلاغ المسؤول ليس تدخلاً في عمل الجهات المختصة، بل مساهمة واعية في تمكينها من أداء دورها.
*** أستاذ جامعي للإعلام السياسي وتقنيات الإتصال

