
أكد الدكتور طلال المغربي، المهتم بالتسويق الرياضي والاستدامة والدبلوماسية الرياضية والسياحة، أن القيمة الاستراتيجية لاستضافة جدة بطولة «خليجي الديار العربية 27» لا تتوقف عند نجاح التنظيم والمنافسات، بل تمتد إلى قدرة المدينة على تحويل الاهتمام الجماهيري والإعلامي إلى عوائد اقتصادية وسياحية وتسويقية مستدامة، مشددًا على أن كأس آسيا 2027 يمثل فرصة للبناء على الخبرات المكتسبة وتعزيز مكانة جدة وجهةً للأحداث الرياضية الكبرى.
وأوضح المغربي، في حديث لصحيفة مكة الإلكترونية، أن نجاح البطولات لم يعد يُقاس بعدد الحضور الجماهيري أو جاهزية الملاعب والفنادق والمواصلات وحدها، وإنما بما تحققه من قيمة مضافة للمدينة وسكانها وقطاعاتها الاقتصادية، وما تتركه من أثر يستمر بعد انتهاء المنافسات.
وأشار إلى أن تجربة خليجي 27 أتاحت فرصة لقراءة العلاقة بين الرياضة وتسويق المدن، خصوصًا في ظل ما شهدته جدة من حضور إعلامي وجماهيري امتد إلى الأسواق والمطاعم والمقاهي والمواقع التاريخية والسياحية، مؤكدًا أهمية توثيق هذه التجربة والاستفادة من نتائجها في التخطيط للبطولات المقبلة.
التسويق الرياضي.. البطولة تعزز حضور جدة دوليًا
رأى المغربي أن استضافة الأحداث الرياضية تمثل فرصة لتسويق المدن وتعزيز قدرتها على الوصول إلى جماهير جديدة، موضحًا أن خليجي 27 لم تقتصر على تقديم منافسات رياضية، بل أسهمت في التعريف بجدة ومقوماتها الثقافية والسياحية والاجتماعية.
وأشار إلى أن التغطيات الإعلامية، خصوصًا عبر قناة الكأس وبرنامج «المجلس» وقناة «شاشا»، تجاوزت التحليل الرياضي ونقل المباريات إلى استعراض تاريخ جدة وأحيائها وأسواقها وعادات سكانها وتقاليدهم.
وأوضح أن هذه التغطيات قدمت المدينة لجمهور واسع داخل المملكة وخارجها، بل أتاحت لبعض سكان جدة أنفسهم إعادة اكتشاف جوانب من مدينتهم لم تكن تحظى بالاهتمام ذاته.
ولفت إلى أن المحتوى الإعلامي العفوي، الذي ينقل تجارب الزوار والإعلاميين داخل الأسواق والمواقع السياحية والمناسبات الاجتماعية، قد يكون أكثر تأثيرًا من الرسائل الإعلانية المباشرة، لأنه يصل إلى الجمهور من خلال أشخاص يتابعهم ويثق بتجاربهم.
وأكد أهمية المحافظة على التواصل مع الإعلاميين وصناع المحتوى الذين تعرفوا على جدة خلال البطولة، والاستفادة من هذا الرصيد الإعلامي في الترويج للفعاليات المقبلة وتعزيز حضور المدينة على مدار العام.
السياحة الرياضية.. الجماهير تكتشف المدينة خارج المدرجات
وفي محور السياحة الرياضية، أكد المغربي أن جدة تمتلك مقومات متنوعة تجعلها قادرة على تحويل الزيارة المرتبطة بالمباريات إلى تجربة سياحية متكاملة، مستفيدة من موقعها بوصفها بوابة الحرمين الشريفين، وما تضمه من مواقع تاريخية وأسواق ومطاعم وواجهات بحرية وتجارب ثقافية وترفيهية.
وأوضح أن الهدف من استضافة البطولات لا ينبغي أن يقتصر على جذب المشجع لحضور المباراة ثم مغادرة المدينة، بل يتطلب تطوير تجارب تشجعه على إطالة إقامته وزيارة مواقع إضافية، بما ينعكس على قطاعات الضيافة والتجزئة والنقل والخدمات.
وأشار إلى أن التكامل بين الجهات الرياضية والسياحية والثقافية والقطاع الخاص يمثل عنصرًا رئيسًا في تحقيق هذه الاستفادة، بحيث يجد الزائر خيارات متعددة تتناسب مع اهتماماته خلال فترة إقامته.
ودعا إلى البناء على تجربة خليجي 27 قبل كأس آسيا 2027، من خلال تطوير برامج تربط حضور المباريات بزيارة جدة التاريخية والرحلات البحرية والأسواق والفعاليات الثقافية والترفيهية.
كما رأى أهمية توسيع الاستفادة من الاستضافة للتعريف ببقية مدن ومحافظات منطقة مكة المكرمة، بما يمنح الجماهير خيارات سياحية وثقافية أوسع من نطاق المدينة المستضيفة.
الدبلوماسية الرياضية.. القوة الناعمة تعزز صورة المملكة
وفي حديثه عن الدبلوماسية الرياضية، أكد المغربي أن البطولات الكبرى أصبحت وسيلة للتعريف بثقافة الدول المستضيفة ومجتمعاتها، وليس مجرد منصة للمنافسة بين المنتخبات.
وأوضح أن حضور الإعلاميين والجماهير من دول مختلفة يتيح لهم التعرف على الحياة الاجتماعية والعادات والتقاليد وتجارب الضيافة، وهو ما يسهم في تشكيل انطباعات جديدة عن المدينة والدولة المستضيفة.
وأشار إلى أن التجارب الإنسانية التي ينقلها الزوار إلى مجتمعاتهم قد تترك أثرًا يتجاوز فترة البطولة، بما يعزز الصورة الذهنية للمملكة ويدعم حضورها الثقافي والسياحي.
واستشهد بالمحتوى الثقافي والفني الذي صاحب التغطيات الإعلامية لخليجي 27، ومنه ما أشار إليه بشأن تقديم الفنانة السعودية عهود المالكي لوحة فنية لبرنامج «المجلس»، وما صاحب ذلك من تفاعل واهتمام باقتنائها، بوصفه نموذجًا للتداخل بين الرياضة والفن والثقافة في تقديم الهوية المحلية.
ورأى أن هذا النوع من التفاعل يعكس قدرة الرياضة على بناء جسور التواصل بين الشعوب، ويبرز دور الفعاليات الرياضية في تعزيز القوة الناعمة وتسويق المدن والدول من خلال التجارب المباشرة.
الاقتصاد الرياضي.. عوائد الفنادق والأسواق تستدعي قياسًا أوسع
وفي قراءته للأثر الاقتصادي، استشهد المغربي بما نشرته صحيفة «الاقتصادية» بشأن اقتراب إيرادات ستة فنادق استضافت وفود البطولة من 20 مليون ريال، مع توفير نحو 792 غرفة فندقية، إلى جانب ارتفاع مبيعات بعض المحال في جدة التاريخية بنسب وصلت إلى 50% خلال فترة المنافسات.
وأوضح أن هذه المؤشرات تعكس جانبًا من النشاط التجاري المصاحب للبطولة، لكنها لا تمثل إجمالي العائد الاقتصادي الذي حققته جدة، لكونها لا تشمل كامل إنفاق الجماهير والزوار في بقية الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق ووسائل النقل والأنشطة السياحية.
وأكد ضرورة الانتقال من رصد الأرقام المتفرقة إلى إعداد دراسات تقيس الأثر الاقتصادي الفعلي، مع التمييز بين حجم النشاط التجاري خلال البطولة والزيادة التي أحدثتها الاستضافة مقارنة بما كان يمكن أن يتحقق في الظروف المعتادة.
ودعا إلى قياس متوسط إنفاق الزائر ومدة إقامته وطبيعة أنشطته، ومدى استفادة المنشآت الصغيرة والمتوسطة من الحركة المصاحبة، فضلًا عن متابعة أثر التغطية الإعلامية في استقطاب زيارات لاحقة.
وأشار إلى أن القيمة الاقتصادية للبطولة قد تظهر بعد انتهائها، عندما يقرر أحد المشاهدين زيارة جدة بعد تعرفه عليها من خلال التغطيات الإعلامية، أو عندما يعود زائر سابق للمشاركة في مناسبة مختلفة.
الاستدامة.. المكاسب الحقيقية تشمل المجتمع المحلي
ووسّع المغربي مفهوم استدامة الأحداث الرياضية ليشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية إلى جانب الاستدامة البيئية، مؤكدًا أن نجاح الاستضافة ينبغي أن ينعكس على المجتمع المحلي، وليس على الجهات المنظمة أو المنشآت الكبرى وحدها.
وأوضح أن استفادة أصحاب المحال والمطاعم والمقاهي والأسر المنتجة والحرفيين ورواد الأعمال تمثل جزءًا أساسيًا من قياس نجاح أي بطولة، إلى جانب ما توفره من فرص عمل وتدريب واكتساب خبرات تنظيمية.
ولفت إلى أهمية قياس عدد المنشآت المحلية المشاركة في تقديم الخدمات، ومدى استفادة الكوادر السعودية من التجربة، وما إذا كانت الفرص الاقتصادية والوظيفية قد استمرت بعد انتهاء المنافسات.
كما دعا إلى دراسة رضا السكان والزوار عن مستوى التنظيم والمواصلات والخدمات والأسعار، ورصد التحديات المصاحبة، ومنها الازدحام أو ارتفاع بعض الأسعار، بهدف تطوير التجربة في الاستضافات المقبلة.
وأكد أن استدامة الأثر تتطلب مراجعة النتائج الاقتصادية والاجتماعية والبيئية بعد كل بطولة، واستخدامها في تحسين التخطيط والتشغيل، بحيث تصبح الاستدامة جزءًا من إدارة الحدث الرياضي منذ بدايته.
الاقتصاد التعليمي والابتكار.. فرص تتجاوز السياحة التقليدية
وفي جانب التكامل بين الرياضة والقطاعات المعرفية والاقتصادية، أشار المغربي إلى أن جمهور البطولات الرياضية يضم فئات مهنية متنوعة، من بينها الباحثون والأطباء والتجار ورواد الأعمال، ما يتيح فرصًا تتجاوز الإنفاق السياحي التقليدي.
وأوضح أن الزائر الذي يحضر مباراة قد يكتشف خلال وجوده في جدة فرصًا للمشاركة في مؤتمر علمي أو طبي، أو التعرف على الجامعات والمراكز البحثية، أو حضور فعالية متخصصة في ريادة الأعمال والابتكار.
وأضاف أن المدينة تستطيع الاستفادة من هذا التنوع عبر التنسيق بين الجهات الرياضية والمؤسسات التعليمية والصحية والاقتصادية، بما يفتح مجالات جديدة للتعريف بالفرص الاستثمارية والعلمية والمهنية.
وأشار إلى أن تحويل الزيارة الرياضية إلى تجربة متعددة الأغراض يعزز القيمة الاقتصادية للحدث، وقد يشجع الزائر على العودة مستقبلًا لحضور مؤتمر أو معرض أو فعالية أعمال أو لقضاء إجازة مع أسرته.
كأس آسيا 2027.. اختبار تحويل الخبرات إلى إرث مستدام
وفي رؤيته للمرحلة المقبلة، أكد المغربي أن جدة تمتلك خبرة متراكمة في استضافة الأحداث الرياضية الكبرى، ومنها سباقات الفورمولا 1، ما يوفر قاعدة للاستفادة من التجارب السابقة في تطوير إدارة الحشود والتنسيق بين الجهات والتسويق وتجربة الجماهير.
وأوضح أن خليجي 27 تمثل فرصة لتوثيق الدروس المستفادة وتحديد عناصر النجاح والتحديات، تمهيدًا لتوظيف النتائج في الاستعداد لكأس آسيا 2027.
ودعا إلى إعداد دراسة متكاملة تشمل الأثر الاقتصادي والتغطية الإعلامية وتجربة الزائر واستفادة المجتمع المحلي وقطاع الأعمال، مع متابعة المؤشرات بعد ثلاثة أشهر وستة أشهر وعام، لمعرفة ما إذا كان الاهتمام الإعلامي والجماهيري قد تحول إلى زيارات فعلية وعوائد مستمرة.
وأكد أهمية الاستفادة من تحليل المحتوى الإعلامي والتفاعل عبر منصات التواصل الاجتماعي واستطلاعات الرأي، لقياس مدى وصول صورة جدة إلى جماهير جديدة، وما إذا كانت هذه التغطيات قد عززت رغبتهم في زيارتها مستقبلًا.
وشدد على ضرورة استمرار التنسيق بين القطاعات الرياضية والسياحية والثقافية والتعليمية والصحية والاستثمارية، بما يضمن ألا تنتهي استفادة المدينة بانتهاء المنافسات، بل تمتد إلى فرص جديدة تعزز اقتصادها ومكانتها وجهةً للأحداث الكبرى.
واختتم المغربي رؤيته بالتأكيد على أن «نجاح البطولة شيء، ونجاح المدينة في الاستفادة من البطولة شيء أكبر»، موضحًا أن المعيار الأهم لا يتمثل فقط فيما حققته جدة خلال خليجي 27، بل فيما يمكن أن تحققه بعد البطولة، خصوصًا مع استضافة كأس آسيا 2027 والفعاليات الرياضية المقبلة.
.






