
مكة المكرمة – الرياض
روى الدكتور سامي الحمود تفاصيل اللحظات العصيبة التي عاشها داخل طائرة بمطار الملك خالد الدولي بالرياض، أثناء الاعتداء الحوثي الذي استهدف المطار في العاشر من أكتوبر الجاري، مستعيدًا مشاهد المصابين والركام وصيحات الاستغاثة، ومواقف إنسانية قال إنها ستبقى عالقة في ذاكرته ما بقي حيًا.
وقال الحمود إنه كان يستعد للسفر إلى جدة للمشاركة في برنامج استشارات الإدمان بمركز رشد للتأهيل، وكانت رحلته مقررة عند الساعة الثالثة وعشرين دقيقة عصرًا، مشيرًا إلى أنه وصل إلى المطار قرابة الثانية والنصف، وسط أجواء هادئة وحركة طبيعية للمسافرين، ومن بينهم معتمرون يرتدون ملابس الإحرام البيضاء.
وأضاف أنه أنهى إجراءات السفر وتوجه إلى بوابة الصعود، قبل أن يستقر في مقعده داخل الطائرة، دون أن يتوقع أن تتحول تلك اللحظات الاعتيادية إلى تجربة قاسية ستظل تفاصيلها محفورة في ذاكرته.
واستعاد الحمود لحظة وقوع الاعتداء، وما أعقبها من ارتباك بين الركاب الذين لم يكونوا يدركون طبيعة ما حدث، فيما سارع طاقم الضيافة إلى التعامل مع الموقف وإجلاء المسافرين، مؤكدًا أن أفراد الطاقم كانوا من آخر من غادر الطائرة.
وأشار إلى أن الركاب شاهدوا الغبار وآثار الحطام عبر الممر الزجاجي، وسط حالة من القلق والترقب، لافتًا إلى موقف أحد المسافرين الذي طلب من الجميع عدم التصوير، فاستجابوا والتزموا بالتعليمات رغم خطورة الموقف.
«اتبعوا الصوت».. نداء وسط الركام
ووصف الحمود مشهد الخروج من المطار بأنه من أصعب ما مر به في حياته، قائلًا إنه شاهد مصابًا يزحف على الأرض وقد غطته الدماء، عاجزًا عن المشي، فيما كان آخرون يحاولون إسعافه، كما رأى امرأة تُنقل على كرسي عادي وسط حالة الطوارئ، وأخرى تبكي وتدعو بحرقة.
وتوقف عند شجاعة العاملين في المطار ورجال الأمن والإسعاف الذين واصلوا توجيه المسافرين ومساعدة المصابين وسط الغبار والركام.
وقال إن أحد العاملين كان يردد بصوت مرتفع: «اتبعوا الصوت يا إخوان.. اتبعوا الصوت»، لمساعدة الناس على الوصول إلى مخارج النجاة بعدما حجبت سحب الغبار الرؤية.
كما أشاد بإحدى الموظفات التي قال إنها أظهرت شجاعة لافتة في إرشاد المسافرين إلى المخارج ومساعدتهم على مغادرة المنطقة المتضررة.
زجاجة ماء وموقف لا يُنسى
وفي مشهد إنساني آخر، تحدث الحمود عن لحظات خروجه إلى الساحة الخارجية للمطار، حيث شاهد سيارات الإسعاف والمصابين، وسمع صرخات أشخاص فقدوا ذويهم، إلى جانب امرأة مسنة كانت تبكي وتردد: «يا رب.. حسبنا الله ونعم الوكيل».
وقال إنه خرج من المكان منهكًا من شدة الحر والعطش والغبار، قبل أن يقترب منه أحد رجال الجمارك ويقدم له زجاجة ماء، وحين حاول الاعتذار عن أخذها أصر الرجل على أن يشرب.
وأضاف متأثرًا: «أقسم بالله أني أدعو لك كلما طرأ في بالي هذا الإنسان»، مؤكدًا أن هذا الموقف البسيط في ظاهره ترك أثرًا عميقًا في نفسه.
ورأى الحمود أن ما شاهده من مسارعة المواطنين والعاملين إلى إسعاف المصابين ومساعدة المسافرين جسّد قيم التكافل والنخوة السعودية في أوقات الشدائد.
«رأيت وطنًا تظهر عظمته في تكاتف أهله»
وأكد الحمود أن التجربة كشفت له حجم التلاحم بين أفراد المجتمع، مشيرًا إلى أن كل من قابله بعد خروجه كان يردد عبارة «الحمد لله على السلامة»، سواء كان يعرفه أم لا، وهي كلمات قال إن لها أثرًا كبيرًا في نفسه بعد تلك اللحظات.
وأضاف أنه شاهد في المطار صورتين متناقضتين؛ اعتداءً يستهدف المدنيين والمعتمرين، وأياديَ امتدت لإنقاذ المصابين ومساعدة المحتاجين.
وأدان الحمود استهداف المطار المدني، متسائلًا عن أي قضية يمكن أن تنتصر بسفك دماء الأبرياء وتعريض ضيوف الرحمن للخطر، معتبرًا أن الاعتداء يكشف تناقض الشعارات التي ترفعها الميليشيا الحوثية مع أفعالها على الأرض.
واختتم روايته بالتعبير عن امتنانه لله على نجاته، داعيًا بالرحمة للمتوفين والشفاء للمصابين، ومؤكدًا ثقته بقيادة المملكة ورجال أمنها وقواتها المسلحة في حماية الوطن وسلامة المواطنين والمقيمين.
وقال إن أكثر ما بقي في ذاكرته من تلك التجربة، إلى جانب مشاهد الألم والفقد، هو تماسك الناس وشجاعة العاملين ونخوة من سارعوا إلى النجدة، مؤكدًا أن المحن تكشف معادن الرجال وقوة المجتمع وتلاحمه.






