كتاب الرأي

الاستبداد الحوثي على الشعب اليمني.. فئة قليلة تستبد بشعب كبير

مأساة اليمن تكمن في سيطرة فئة مسلحة محدودة على شعب عريق واسع. حركة انقلبت على الدولة واستولت على العاصمة والمرتفعات المكتظة بالسكان، فحولت مؤسسات الدولة إلى أدوات قمع، وحولت حياة المواطنين إلى سلسلة من المعاناة اليومية. معادلة غير عادلة صنعت أسوأ أزمة إنسانية يشهدها العالم في السنوات الأخيرة.

حكم الأقلية وإلغاء الدولة:

الحوثيون يفرضون سلطة أمر واقع بقوة السلاح، ويحكمون مناطق تضم غالبية اليمنيين. قاموا بتفكيك مؤسسات الدولة وإعادة بنائها على أساس الولاء، وزرعوا أجهزتهم الأمنية في كل مفصل، وفرضوا مشرفين يتحكمون في القرار، حتى أصبح المواطن يواجه سلطة متعددة الطبقات لا يرى فيها أي تمثيل لإرادته. تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة أكدت أن الجماعة عملت بشكل ممنهج على تضييق المجال المدني وقمع الأصوات المعارضة وفرض التلقين الأيديولوجي طويل المدى.

صور الاستبداد في الحياة اليومية:

الاستبداد الحوثي يتجلى في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن اليمني. في التعليم، تم تحويل المدارس إلى منصات للتعبئة، وتغيير المناهج، وفرض ما يسمى بالمراكز الصيفية التي يأخذ فيها الأطفال إلى معسكرات فكرية وعسكرية.
في الاقتصاد، فرضت الجبايات والإتاوات تحت مسميات الزكاة والمجهود الحربي، وصودرت رواتب الموظفين، وربطت المساعدات الإنسانية بالولاء وحمل السلاح. الأسر التي تعتمد على المساعدات تجد نفسها مجبرة على تقديم أبنائها للمشاركة في القتال.
في الجانب الحقوقي، انتشرت حالات الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب في السجون السرية، وطالت الصحفيين والحقوقيين وحتى موظفي المنظمات الدولية. اقتحام مقرات الأمم المتحدة واحتجاز موظفيها أصبح سلوكا متكررا، ما دفع المنظمة الدولية إلى تعليق عملياتها في مناطق سيطرة الجماعة.
في الحروب والتهجير، يعاني سكان المدن المحاصرة مثل تعز من القصف العشوائي للأحياء السكنية، وتقطع الطرق الرئيسية، وتمنع قوافل الغذاء والدواء، فيجبر السكان على النزوح تاركين منازلهم ومصادر رزقهم.

استشهادات من الواقع:

أهالي صنعاء يتحدثون عن مشرف حوثي في كل حي يراقب ويقرر. معلمون يتحدثون عن فصلهم من وظائفهم واستبدالهم بعناصر موالية. أمهات يبكين أطفالا أخذوا من المدارس إلى الجبهات. منظمات دولية تؤكد أن الأطفال أصبحوا وقودا للحرب، وأن المدنيين يدفعون الثمن الأكبر.

الاستبداد الحوثي يقوم على فكرة أن القوة تمنح الحق في حكم الناس، وأن السلاح يلغي إرادة الشعب. هذه الفكرة حولت اليمن من بلد يبحث عن التنمية والحوار إلى بلد يعيش تحت سلطة الخوف.

الخلاص يكمن في استعادة الدولة التي تمثل كل اليمنيين، دولة القانون التي تحمي التعليم وتحفظ الكرامة وتضمن أن يعيش المواطن حرا في أرضه دون وصاية فئة ترى نفسها فوق الشعب.

د. علي محمد الحازمي

خبير وباحث اقتصادي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى