كتاب الرأي

نبض وطن وتبرع بالدم في موكب العطاء

عمل الخير وفعل الجميل لا يتوقف عند حد فالأمر في ذلك واسع للغاية وكلها في متناول الإنسان، لكنها تحتاج إلى عزيمة وإرادة، وصفاء النية وصدق التوجه. ولعل من الأمور المهمة جداً، والتي تحقق نتائج إيجابية وأجراً كبيراً مضاعفاً، هو تبرع المرء بجزء من أعضائه لمريض يتأوه ألماً ويعاني منذ سنين طويلة، فتكون سبباً في شفائه وتجاوزه لهذه المحنة. وكذلك التبرع بالدم من الأعمال الجليلة التي يحتاجها المرضى وبنوك الدم في المستشفيات.
وامتداداً لهذا المدّ الإنساني الخيّر، وتلبيةً للنداء الذي أطلقه سيدي ولي العهد -حفظه الله- نحو بناء (مجتمع حيوي) يتسم أفراده بالتكافل والتطوع والإيثار، يأتي التبرع بالدم ليُجسّد أسمى معاني المواطنة الصادقة. فالقيادة الرشيدة تجعل من صحة الإنسان وحياته الغاية القصوى، وتذكرنا دائماً أن الوطن ليس مجرد أرض نعيش عليها، بل هو جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
ومو الناحية العلمية فإن التبرع بالدم ليس مجرد خروجٍ لسائلٍ من الجسد بل هو (دورةُ تجديدٍ خلوي) مذهلة حيث ييحفز نخاع العظم على إنتاج خلايا دم جديدة أكثر نشاطاً وحيوية، ويُنظم مستويات الحديد في الجسم مما يقلل من مخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية. إنه استثمار صحيٌ يجنيه المتبرع قبل أن يكون هدية ثمينة للمريض.
ولعل التبرع بالدم من أروع ما يمكن أن يدخل به الإنسان من سعادة وسرور على الآخرين مصداقاً لتلك القيمة الإسلامية السامية: (سرور تدخله على أخيك المسلم). وقد أتيحت لي ولله الحمد والمنة الفرصة للتبرع بالدم أربع مرات، كانت كل منها محطةً فريدة في ذاكرتي. فمن تلك المرات التي لا تُنسى حدث حينما كنت عميداً لشؤون الطلاب في الجامعة حيث بادرت العمادة بتنظيم أسبوعٍ توعوي تحت شعار (صحتك تهمنا) وجعلنا من التبرع بالدم ركيزةً أساسية في هذه الفعاليات. وما إن أُطلقت الحملة حتى تدافع طلاب الجامعة ومنسوبيها بحماسٍ لافت، ليتحول الحدث من مجرد إجراء روتيني إلى مهرجانٍ إنساني يجسد روح التكافل الحقيقي. وكذلك حينما كنت معاراً من الجامعة إلى إحدى الكليات الخاصة لم أتردد في طرح وتنظيم حملة مماثلة للتبرع بالدم مع عمادة الكلية إيماناً بأن مسؤولية غرس هذه الثقافة النبيلة لا تتوقف عند حدود مؤسسة بعينها بل تمتد أينما وجدت حاجةٌ للإنسان. أما المرات الأخرى فكانت بمبادرة شخصية بحتة ولازلت حتى اليوم أحتفظ بصورٍ لتلك المناسبات الرائعة ليست مجرد ذكريات عابرة، بل هي أمثلة واقعية حية على عطاءٍ لا ينضب، ورسائل صامتة تقول: (كنت هنا، ومددتُ يدي، فصنعنا الفرق معاً).
وما أعظمه من شعور جليل وأنت مستلقٍ على سرير المختبر تمد يدك بكل طمأنينة لسحب الدم فتبدو يدك (مبسوطة) وكأنها لا تخرج منها دماء فحسب بل تمتد لتصل إلى يد أخرى غائبة لتشاركها قطرات من حياتك، وتهمس لها من بعيد (أنا معك، ولن أنركك وحدك) الله ما أجملها من لحظات وما أعظمها من مشاعر تذيب الأنانية وتعلي من شأن الإنسانية وتربطك برباط الأخوة الإيمانية قبل البشرية.
ويشير علماء النفس إلى أن التبرع بالدم يعد ضمن (سلوكيات المساعدة العميقة) التي تُفرزهرمونات السعادة والرضا. إن شعور المتبرع بأنه سبب في استمرار نبض قلبٍ آخر يمنحه سلاماً نفسياً عميقاً واجتماعياً يعد هذا العطاء أرقى صور التضامن المجهول ففي أروقة المستشفيات توجد قصص لا تُروى لأمهات ينتظرن قطرة دم لتُنقذ طفلهن من مرض الثلاسيميا، ومصابي حوادثٍ تُنذر حياتهم بالخطر، ومرضى أورامٍ تحتاج أجسادهم لما يُعزز مناعتهم. هنا يتحول المتبرع المجهول إلى (ملاكٍ حارس) لا يعرفه المتلقي، لكنه يشاركه تفاصيل حياته.
ولن نجد أبلغ من تلك الآية الكريمة التي ترسم كدستورٍ أخلاقي: ﴿ومَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. فكل كيس دم يتبرع به المرء كأنما أنقذ به عالماً بأكمله من العدم.
ومن منطلق الاستجابة لتوجيهات قيادتنا الرشيدة وتفعيلاً لدور الفرد والمؤسسة في مجتمعنا، فإنها فرصةٌ لنا جميعاً لنثبت أن في شعبنا من النخوة والعزيمة ما يكفي لإنقاذ آلاف الأرواح. فلا نبخل بقطرة قد تصنع حياة، ولا نتردد في مد يدنا، فبنوك الدم أمانات في أعناقنا وحياة الآخرين قد تكون على بُعد إبرة صغيرة من ذراعك. ما أجمل أن تأخذ زمام المبادرة وتتجه إلى التبرع بالدم، لتكون نبضاً لحياة وأجراً لا ينقطع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى