قبل أيام دار بيني وبين عدد من الأصدقاء حديث عن وصف المدينة المنورة بـ«مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم»، وهو وصف لا يختلف عليه مسلمان؛ فالمدينة احتضنت الهجرة، ومنها قامت الدولة الإسلامية، وفيها المسجد النبوي الشريف، وعلى أرضها عاش المسلمون مرحلة التمكين الكبرى. لكن السؤال الذي ظل يلاحقني بعد ذلك الحوار كان بسيطًا ومباشرًا: ماذا عن مكة؟
مكة التي وُلد فيها النبي صلى الله عليه وسلم، وكبر بين جبالها وأزقتها، وعرف الناس فيها قبل الرسالة وبعدها. مكة التي نزل فيها الوحي أول مرة، ومنها سمع العالم «اقرأ»، وفيها جاء الأمر الإلهي الأول: «قم فأنذر». وعلى أرضها صبر صلى الله عليه وسلم وأصحابه على الأذى والمقاطعة والجوع، وفي شعابها تشكلت البدايات الأولى للإسلام.
لا أتحدث هنا عن مقارنة بين مكة والمدينة، ولا عن منافسة على الشرف، فمكانة المدينة المنورة عظيمة وثابتة في قلب كل مسلم، لكنني أتحدث عن شيء آخر؛ عن غياب البعد النبوي لمكة في الخطاب الشعبي والثقافي، وكأن العلاقة بين النبي صلى الله عليه وسلم ومكة توقفت عند الهجرة، رغم أن كل الجذور الأولى للرسالة خرجت من مكة..
في مكة بدأت الحكاية كلها.
هنا نزل الوحي، وهنا تكوّن الجيل الأول من المؤمنين، وهنا وقف صلى الله عليه وسلم أكثر من ثلاثة عشر عامًا يدعو الناس سرًا وجهرًا، وهنا أيضًا بكى وهو يغادرها قائلًا:
«والله إنكِ لأحب أرض الله إليّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت».
هذا الحديث وحده يكشف حجم العلاقة الوجدانية بين النبي صلى الله عليه وسلم ومكة، فهي ليست مجرد مدينة وُلد فيها، بل المكان الذي تشكلت فيه ذاكرة الرسالة الأولى.
وهذا الحديث يكشف أن تعلق النبي صلى الله عليه وسلم بمكة لم يكن تعلق إنسان بمسقط رأسه فقط، بل تعلق نبيٍّ بمدينة احتضنت الوحي، وعاشت تفاصيل الرسالة الأولى، فارتبطت في وجدانه بقيمتها النبوية والروحية الخالدة
أحيانًا نقرأ السيرة وكأن مكة كانت مجرد مرحلة سبقت المدينة، بينما الحقيقة أن مكة بقيت حاضرة حتى آخر الرسالة. ويكفي أن آخر آيات التشريع الكبرى نزلت في مكة أثناء حجة الوداع:
«اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا».
وكأن الرسالة التي بدأت في مكة عادت لتعلن اكتمالها في مكة أيضًا.
لهذا أرى أن مكة ليست فقط قبلة المسلمين، بل مدينة نبوية بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ ففيها عاش النبي صلى الله عليه وسلم معظم حياته، ومنها خرج نور الإسلام إلى العالم، وعلى أرضها بدأت العلاقة الأولى بين السماء والأرض في الرسالة الخاتمة.
والمتأمل في السيرة النبوية يجد المدينة المنورة احتضنت الدولة الإسلامية، أما مكة فقد احتضنت النبوة نفسها.
المدينة كانت مدينة التمكين، ومكة كانت مدينة البداية الأولى.
ومع توافد ملايين الحجاج إلى مكة هذه الأيام، أشعر أن الحاجة أصبحت أكبر لإحياء هذا المعنى «النبوي» في الوعي الإسلامي؛ فالحاج لا يأتي إلى مكان ارتبط بالحج فقط، بل يأتي إلى مكة أرض النبوة التي شهدت نزول الوحي، وعاشت خطوات النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة بسنوات طويلة.
نحن بحاجة إلى تقديم مكة للعالم الإسلامي باعتبارها «المدينة النبوية»، ليس شعاًرا عاطفيًا،ولكن كجزء من السيرة نفسها، وكجزء من الوعي بتاريخ الرسالة.
فقد أعاد النبي صلى الله عليه وسلم تشكيل الهوية النبوية لمكة، حتى تحولت من مدينة قاومت الدعوة في بداياتها إلى قلب العالم الإسلامي ومهوى أفئدة المسلمين.
ولعل مركز حي حراء الثقافي ومعرض الوحي، ومن خلفهما مركز تاريخ مكة ورئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام، أمام فرصة مهمة لبناء هذا الوعي من جديد، عبر برامج وتجارب تُعيد ربط الزائر بالسيرة المكية، وتعزيز معنى «مكة المدينة النبوية» وبالمكان الذي بدأت منه أعظم رسالة عرفتها البشرية.





