المقالات

الحج… حين يلتقي الإيمان بالحضارة بقلم: أ. د. فايد محمد سعيد

في زمن تتسارع فيه الأزمات العالمية، وتزداد فيه التحديات المرتبطة بإدارة التجمعات البشرية الكبرى، يطل موسم الحج كل عام ليقدم للعالم درسًا استثنائيًا في الإيمان والتنظيم، وفي الروحانية والحضارة، وفي قدرة الإنسان على تحويل القيم إلى واقع ملموس والرسالة إلى إنجاز مشهود.

فالحج ليس مجرد رحلة دينية يؤدي فيها المسلم مناسك محددة ثم يعود إلى بلده، بل هو أعظم مؤتمر سنوي تشهده البشرية على وجه الأرض. ملايين البشر يجتمعون في أيام معدودة، قادمين من مختلف القارات والأعراق والثقافات واللغات، تجمعهم عقيدة واحدة ووجهة واحدة وشعار واحد: «لبيك اللهم لبيك».

ومن ينظر إلى الحج بعين الباحث في الحضارات يدرك أنه ليس حدثًا عاديًا في تاريخ الإنسان. فالعالم يعرف مؤتمرات دولية، ومعارض عالمية، وألعابًا أولمبية، وبطولات كبرى، لكن جميع هذه الفعاليات تبقى محدودة مقارنة بالحج من حيث عدد المشاركين، وتنوعهم، وتعقيد حركتهم، وحساسية الظروف المحيطة بهم.

ففي الحج لا نتحدث عن عشرات الآلاف أو مئات الآلاف من المشاركين، بل عن ملايين البشر الذين يتحركون بين المشاعر المقدسة وفق توقيتات متقاربة ومسارات متشابكة، ويحتاجون إلى الأمن والصحة والغذاء والسكن والنقل والإرشاد والخدمات التقنية والاتصالات في وقت واحد.

وهنا تتجلى عظمة الجهد الذي تبذله المملكة العربية السعودية عامًا بعد عام في خدمة ضيوف الرحمن.

إن نجاح موسم الحج لا يصنعه قطاع واحد، ولا مؤسسة واحدة، بل تقف خلفه منظومة متكاملة من الوزارات والهيئات والقطاعات الأمنية والصحية والخدمية والتقنية والهندسية، تعمل بتناغم دقيق يشبه عمل الساعة الواحدة. فمن الجوازات والتأشيرات إلى المطارات والمنافذ، ومن المستشفيات والإسعاف إلى القطارات والحافلات، ومن إدارة الحشود إلى الأنظمة الرقمية والذكاء الاصطناعي، تتكامل الجهود لتقديم تجربة استثنائية لملايين الحجاج.

ومع كل موسم جديد نرى كيف تتطور هذه الخدمات بصورة لافتة، وكيف تتحول الخبرات المتراكمة إلى مشاريع أكبر ورؤى أكثر طموحًا، حتى أصبحت تجربة الحج اليوم إحدى أبرز التجارب العالمية في الإدارة والتخطيط والاستجابة السريعة والتعامل مع الحشود البشرية الضخمة.

غير أن الحديث عن الحج لا يكتمل إذا اقتصر على الجانب الإداري والتنظيمي فقط، لأن وراء هذا النجاح بعدًا إيمانيًا عظيمًا.

فالمؤمن يرى أن الله سبحانه وتعالى قد اختص هذه الأرض المباركة بمكانة لا تضاهيها مكانة أخرى، فجعل فيها بيته الحرام، وجعل أفئدة المؤمنين تهوي إليها من كل مكان، وربط قلوب المسلمين بها خمس مرات في اليوم في صلاتهم، ومرة في العمر على الأقل في حجهم.

كما أن من حكمة الله تعالى أن يهيئ لهذه البقاع المباركة من يقوم بخدمتها ورعاية قاصديها. ومن يتأمل تاريخ الحرمين الشريفين عبر القرون يدرك أن خدمة الحجاج لم تكن يومًا مسؤولية عادية، بل كانت شرفًا تتنافس عليه الأمم والحكام، لأنها خدمة ترتبط مباشرة بأقدس بقاع الأرض وأعظم شعائر الإسلام.

وقد شاء الله تعالى في هذا العصر أن تتشرف المملكة العربية السعودية بهذه المسؤولية العظيمة، فكرّست إمكاناتها ومواردها وخبراتها لخدمة الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن، حتى أصبحت هذه الخدمة جزءًا من هويتها ورسالتها ومكانتها في العالم الإسلامي.

وبوصفي أحد خريجي المملكة العربية السعودية، فقد عايشت جانبًا من هذه المسيرة المباركة، ورأيت كيف تتطور المشاريع عامًا بعد عام، وكيف تتحول الرؤى إلى واقع، والأفكار إلى منجزات، والخطط إلى خدمات يلمس أثرها الحاج في كل مرحلة من مراحل رحلته الإيمانية.

ولا شك أن ما تحقق في موسم الحج هذا العام يمثل امتدادًا لمسيرة طويلة من العمل الجاد والتخطيط المتقن والاستثمار في الإنسان والتقنية والبنية التحتية. وهو نجاح يستحق الإشادة والتقدير، ليس فقط من المسلمين، بل من كل من ينظر بعين الإنصاف إلى حجم العمل المنجز وحجم المسؤولية الملقاة على عاتق القائمين عليه.

ومن هنا فإن الشكر والتقدير مستحق لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، ولكل الجهات الحكومية والأمنية والصحية والخدمية، ولكل موظف ومتطوع وجندي وطبيب ومهندس وعامل أسهم في خدمة ضيوف الرحمن.

كما يستحق الشعب السعودي الكريم كل التقدير، فهو شريك أصيل في هذا الشرف العظيم، وقد عُرف عبر تاريخه بكرم الضيافة وحسن الاستقبال والاعتزاز بخدمة الحجاج والمعتمرين.

ويبقى الحج في نهاية المطاف أكثر من مجرد موسم سنوي، وأكثر من مجرد نجاح تنظيمي. إنه رسالة متجددة إلى العالم بأن الإيمان يمكن أن يكون قوة بناء، وأن القيم الروحية يمكن أن تصنع نماذج حضارية مبهرة، وأن خدمة الإنسان تظل من أعظم أبواب العبادة والعمران.

وفي كل عام، ومع انتهاء المناسك وعودة الحجاج إلى أوطانهم، تبقى صورة الملايين وهم يجتمعون حول بيت الله الحرام شاهدًا حيًا على وحدة الأمة الإسلامية، وعلى عظمة هذه الشعيرة الخالدة، وعلى الجهود المباركة التي تُبذل لخدمة ضيوف الرحمن.

فجزى الله المملكة العربية السعودية قيادةً وشعبًا خير الجزاء، وبارك في جهودها، وحفظ الحرمين الشريفين، وأدام عليهما نعمة الأمن والاستقرار، وجعل خدمة الحجاج والمعتمرين في ميزان حسنات كل من أسهم فيها، إنه ولي ذلك والقادر عليه

أ.د. فايد محمد سعيد

عضو المجلس الأوروبي للقيادات المسلمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى