كتاب الرأي

إبراهيم وسلْمَى قِصَّةُ حُبٍّ في صحراءِ أُمِّ رضمة

عَرَفْتُ كِتابَ (خواطر وذكرياتٍ) للشَّيخِ إبراهيم العبد الله الحسُّون، منْ زمنٍ بعيدٍ، فما إنْ صَدَرَتْ طبْعتُهُ الأُولَى حتَّى ظَفِرْتُ بها، وعلَى أنَّ تلكَ السِّيرةَ كثيرةُ عددِ الصَّفَحاتِ، فكُنْتُ أُقْبِلُ عليها شائقًا مُتَلَهِّفًا، أقرأُها وكأنَّني أرَى إبراهيم الحسُّون قُدَّامي بِسَمْتِهِ الذي أَعْرِفُهُ لَمَّا التقيتُهُ – رَحِمهُ اللهُ – إبَّانَ تحريري لمجلَّةِ (الحَجِّ والعُمْرة).

كانَ كُلُّ شيءٍ فيهِ حبيبًا قريبًا، وكانتِ الفُصُولُ التي انطوَتْ عليها سِيرتُهُ يُغَشِّيها لونٌ مِنَ الصِّدقِ يُوْشِكُ أن يَكُونَ “براءَةً” تُشْبِهُ براءةَ الأطفالِ؛ فالرَّجُلُ الشَّيْخُ لا يكادُ يَصُدُّ قَلَمَهُ – أوْ لِسَانَهُ – عنْ قولِ ما في نَفْسِهِ، كانَ صادقًا، وكانَ جريئًا مِقْدامًا، وكانَ قريبًا حبيبًا، أمَّا ذاكرتُهُ فكأنَّما يَسُوقُ إلى قارئهِ حديثًا كانَ بالأمسِ، وهو إنَّما يَسُوقُ إليهِ أحداثًا ترقَى في تاريخِها إلى زمنٍ ضاربٍ في البُعْدِ، عندما كانَ صَبِيًّا، وتكادُ تَكُونُ سِيرتُهُ “رِحْلَةً”، لطُولِ ما ضَرَبَ في الأرضِ، أمَّا أنا، قارئَ ذلكَ الكِتابِ الحبيبِ القريبِ، فقدْ طالَما لُذْتُ بهِ؛ أقرأُهُ مُتَذَوِّقًا، حتَّى إذا أقبلْتُ عليهِ لمْ أنْصَرْفْ عنهُ = وأُطالِعُهُ مُفَتِّشًا مُنَقِّبًا، وكُنْتُ أَلْقَى فيهِ تاريخًا مَنْسِيًّا، مهْما كانَ معدودًا في أدبِ السِّيرةِ الذَّاتيَّةِ، وما أكثرَ رُجُوعي إليهِ متى أردْتُّ البحثَ في شأْنٍ مِنْ شُؤونِ مدينةِ جُدَّةَ؛ هذهِ المدينةِ التي استقبلتْهُ طِفْلًا قادمًا مِنْ مدينتِهِ عُنَيْزَةَ، فلمَّا هَبَطَها، سنةَ 1344هـ، أَجْفَلَ مِنْهُ أقرانُهُ في المدرسةِ والمَحَلَّةِ، لكنَّهُ أَخَذَ نَفْسَهُ بالصَّبْرِ فإذا مَنِ اتَّقَاهُ وصَدَّ عنهُ وعَنُفَ بهِ = يُقْبِلُونَ عليهِ، ويَتَّخِذُونَهُ أخًا وصديقًا، وإذا بالفتَى العُنَيْزِيُّ تُنَشِّئُهُ جُدَّةُ فيصيرُ كواحدٍ مِنْ أبنائِها، وفي الحَقِّ إنَّهُ واحدٌ مِنْ أبنائِها لا فَرْقَ بينَهُ وبَيْنَهُمْ، بلْ إنَّ هذا العُنَيْزِيَّ الجريءَ المقدامَ سيصِيرُ كِتابُهُ الرَّائعُ هذا في حياتِهِ، وبَعْدَ وفاتِهِ – رَحِمَهُ اللهُ – مَصْدرًا أمينًا للمدينةِ العَرُوسِ، بلْ لكُلِّ ناحِيَةٍ قَصَدَها.

إبراهيم الحسُّون

وفي خواطِرِ إبراهيم الحسُّون وذكرياتِهِ ما يستحقُّ الوُقُوفَ والتَّأَمُّلَ؛ فيهِ مَشاهدُ وصُوَرٌ مِنَ الأدبِ الإنسانيِّ يَضُوعُ صِدْقًا، ويَتَّصِلُ بالنَّفْسِ، دُونَ أن يتكلَّفَ لها صاحِبُها زُخْرُفًا وتَوْشِيَةً، تُؤَدِّيها إلينا نَفْسٌ كأنَّما اللهُ – تباركَ وتعالَى – جَبَلَها علَى المحبَّةِ والطِّيبةِ والإقبالِ علَى النَّاسِ، وكانتْ تلكَ الذِّكرياتُ الطَّويلةُ العريضةُ صُوَرًا ومَشاهِدَ تُطْرِفُ القارئَ بما فيها مِنْ رُوحِ المُغامرةِ، علَى أنْ أستدرِكَ فأقولَ: إنَّ ما فيها مِنْ مُغامرةٍ، وهي مَزِيَّةٌ أصيلةٌ فيها، لا يتكلَّفُ لها، ولا يَدَّعيها، إنَّما هي أَصْلٌ قارٌّ في نَفْسِهِ، حتَّى إذا مَضَيْتَ في قراءةِ مُجَلَّداتِها أدركْتَ ما أدعوهُ “رُوحَ المُغامرةِ”، وعَرَفْتَ “الصِّدْقَ” الذي اتَّسَمَتْ بهِ.
​ولمْ أُرِدْ لهذا الفَصْلِ أن يَكُونَ تلخيصًا أوْ عَرْضًا لهذهِ الذِّكرياتِ الرَّائعةِ، وما أَحَبَّ أنْ أسعَى إلى ذلكَ! لكنَّني سأَقِفُ عندَ مَشْهَدٍ إنسانيٍّ مُؤَثِّرٍ جِدًّا، أَبْكَى إبراهيم الحسُّون، وأبكاني مَعَهُ، أبكاهُ عندَ حُدُوثِهِ سنةَ 1362هـ، وما أَظُنُّهُ إلا باكِيًا، حِينَ رواهُ، وأبكاني وأنا أقرأُهُ الآنَ في شهرِ رمضانَ المُبارَكِ مِنْ سنةِ 1447هـ!

يا قُلْتُ: إنَّ رُوحَ إبراهيم الحسُّونَ رُوحُ مُغامِرٍ، وحيثُما مَضِيْنا في خواطِرِهِ وذكرياتِهِ فإنَّنا نَقْبِضُ علَى قِصَصٍ وحكاياتٍ لا تكادُ تنتهي، علَى أنَّني سأنتخِبُ مِنْهُنَّ قِصَّةً كُلُّها شَجًى، مهْما دَلَّتْنا علَى ما فيها مِنْ مُغامرةٍ.
​أَدَّتْ حياةُ المُغامرِ الجريءِ المقدامِ، إلى الانتقالِ مِمَّا كانَ فيهِ مِنْ حياةٍ هي أَمْيَلُ إلى التَّرَفِ والدَّعَةِ في مدينةِ جُدَّةَ = إلى المنطقةِ الشَّرقيَّةِ مُوَظّفًا في شركةِ أرامكو – قبلَ أنْ تُدْعَى بهذا الاسْمِ – ثُمَّ إذا بهِ يَتَدَيَّرُ ناحيةً في الصَّحراءِ اسْمُها “أُمُّ رضمة”، علَى أنْ نتذكَّرَ أنَّ إبراهيم الحسُّون لا يُعْجِزُهُ أن يستميلَ النَّاسَ إليهِ، طبيعةً اختصَّهُ اللهُ بها، أينما ارتحلَ أوْ نَزَلَ، يتساوَى، في ذلكَ، أن يكونَ مِنْ أصدقائِهِ كِبَارُ القومِ أوْ صِغارُهُمْ، فلمَّا جَمَعَتْهُ “أُمُّ رضمة” بأميرِها إبراهيم بن عَمَّار، سَرْعانَ ما صارَ صديقَهُ وجليسَهُ، واتَّصَلَتْ أسبابُهُ بباديةِ تلكَ النَّاحيَةِ، ويتجلَّى ما انطوَتْ عليهِ نَفْسُ إبراهيمَ مِنْ صَرَاحةٍ مَصْدَرُها براءَتُهُ التي تُوْشِكُ أنْ تكونَ كبراءَةِ الأطفالِ = في كلامِهِ عنِ البدويَّاتِ الحسناواتِ؛ ذلكَ الكلامِ الذي كأنَّهُ فَصْلٌ مِنْ فُصُولِ كِتابِ (الأغاني) لأبي الفَرَجِ الأصبهانيِّ، وفي عَصْرٍ يَرْقَى إلى العصْرِ الأُمويِّ في القرنِ الهِجريِّ الأوَّلِ، وفي ناحيَةٍ في صحراءِ جزيرةِ العربِ تُشْبِهُ الباديَةَ التي تَدَيَّرَها صاحِبُنا إبراهيم، أوْ عساها أنْ تَكُونَ هي، لولا أنَّ تاريخَها هو سنةُ 1362هـ!

“كانَ كُلُّ بِئْرٍ مِنْ هذهِ الآبارِ يمتلكُهُ بيتٌ أوْ بيتانِ مِنْ هذهِ البُيُوتِ، يُقِيمونَ عليهِ دِلاءً لجَلْبِ الماءِ مِنْ قاعِ البِئْرِ، تقومُ بِنَزْحِهِ ناقةٌ أوْ جَمَلٌ، يمتطي ظَهْرَها رَجُلٌ أوِ امرأةٌ أوْ غُلامٌ، يُوْقِفُها عنْ وُصُولِها إلى فَوْهَةِ البِئْرِ، ثُمَّ يَتَّجِهُ بها عكسًا (…)
كان المَشْهَدُ مُغْرِيًا ومُثيرًا للفُضُولِ، وخاصَّةً أنَّ فتياتِ الباديةِ يَقُمْنَ بالنَّصيبِ الأوفرِ في حركةِ السَّقْيِ هذهِ، سواءٌ باستقبالِ الدَّلْوِ القادمِ مِنْ قاعِ البِئْرِ، أوْ في [في النَّصِّ: فلا، ولعلَّهُ تطبيعٌ] سِياقةِ الدَّابَّةِ التي تَنْزَحُ هذا الماءَ، أوْ في كفكفةِ وُرُودِ هذهِ المواشي علَى حوضِ الماءِ، وتنظيمِ الإبلِ أوِ الأغنامِ، وقدْ تبْلُغُ نِسْبةُ تلكَ الفتياتِ ما لا يقربُ مِنْ 70% مِمَّن يقومونَ بتلكَ الأعمالِ.
كانَ المشهدُ موضِعَ جَذْبٍ وإغراءٍ وتسليةٍ لسُكَّانِ مركزِ أُمِّ رضمة مِنْ موظَّفِينَ وخِلافِهِ، فما يكادونَ يؤدُّونَ صلاةَ العصرِ حتَّى يبارحوا القصْرَ، مُتَّجِهِينَ إلى هذهِ الآبارِ، يتسكَّعُونَ ما بينَ بِئْرٍ وآخَرَ، ويتلذَّذُونَ بمنظرِ تلكَ الفتياتِ اللَّاتي حَبَاهُنَّ اللهُ مِنْ جَمَالِ الخَلْقِ والخُلُقِ ما يُغْري بالتَّطَلُّعِ والانبهارِ، وخاصَّةً عندما تتدلَّى جدائِلُهُنَّ إلى أخماصِ أقدامِهِنَّ.
ومعلومٌ أنَّ فَتَيَاتِ الباديةِ يكتفِينَ في الغالبِ الأكثرِ بتغطيةِ الفَمِ والجُزْءِ الأسفلِ مِنَ الأنفِ، أيِ التَّلَثُّم، أمَّا بَقِيَّةُ الوجهِ والعُيُونُ وجدائلُ الشَّعَرِ فكُلُّها وسائلُ مغناطيسيَّةٌ تَجْذِبُ إليهِنَّ أنظارَ الرِّجالِ، وخاصَّةً أنَّهُنَّ جميعًا، بِلا استثناءٍ، يَمْتَزْنَ برشاقةِ القَدِّ وعُذُوبةِ اللَّفْظِ، وكُلُّها صِفاتٌ مُمَّيَّزةٌ، اخْتَصَّتْ بها هذهِ القبيلةُ بالذَّاتِ (…) [2/184-185]

​ولمْ تَنْتَهِ القِصَّةُ العربيَّةُ عندَ هذا الحَدِّ! لا! ولإتمامِها لا بُدَّ أن تَظْهَرَ شخصيَّةُ رَجُلٍ مِنْ رِجَالِ الباديةِ، هو مِعَزِّي الغريقان، وكانَ مِنْ صِفَتِهِ أنَّهُ رَجُلٌ مُقْعَدٌ يمشي علَى عُكَّازَيْنِ، تتألَّفُ أُسْرَتُهُ مِنْ زوجتِهِ وابنتيهِ فِضَّة ونشْوَى وابْنِهِ عبد الله، ومِنْ أُختِهِ سلمَى! وسنقِفُ عندَ سَلْمَى فعنها سُقْتُ هذا الحديثَ.
​وسلْمَى هذهِ بدويَّةٌ تتَّصِفُ بكُلِّ الصِّفاتِ التي سِيقَتْ في الفَتَيَاتِ اللَّاتي رأيْناهُنَّ عندَ البِئْرِ! فهي شابَّةٌ جميلةٌ، بارعةُ الْجَمَالِ، وهي تُعِيدُ إلى أذهانِنا أروعَ القِصَصِ العربيَّةِ عنْ أُمَّهاتٍ لها مِنْ حَرَائِرِ الجزيرةِ العربيَّةِ؛ اللَّواتي استفاضَتْ بأخبارِهِنَّ كُتُبُ الأدبِ والأخبارِ والنَّوادرِ، وسلمَى، لكُلِّ الذي قِيلَ، تَقَدَّمَ إلى خِطْبَتِها شُيُوخٌ مِنْ عِلْيَةِ القومِ، وما كانَ أخوها مِعزِّي ليَعْقُدَ أمرًا يَخُصُّها مِنْ دُونِها، وكانتْ سلمَى ترفُضُ كُلَّ مَنْ تَقَدَّمَ إليها! حتَّى صارَ تَمَنُّعُها مَحَلَّ حديثِ الأميرِ إبراهيم بن عَمَّارٍ وصَحْبِهِ، ومِنْ بينِهِمْ صاحِبُنا إبراهيم الحسُّونَ، وبينما كانَ مجلسُ الأميرِ يخوضُ في شُؤونٍ مِنَ القولِ يغلِبُ عليها الفُكاهةُ والسُّخْرُ والمَرَحُ، قالَ الأميرُ لصاحِبِنا الحسُّون: “ما رأيُكَ أنْ تتزوَّجَ سلمَى الغريقان”؟ ولا شَكَّ أنَّ الأميرَ ساقَ هذا الحديثَ مازحًا، ولا رَيْبَ في أنَّ إبراهيم لمْ يَكُنْ ليَحْمِلَ كلامَ ابنِ عَمَّارٍ علَى غيرِ المُزاحِ، لكنَّ الأمير ابنَ عَمَّارٍ اتَّجَهَ إلى معزِّي قائلًا: “ماذا تقولُ يا معزِّي لوْ خَطَبَ أُخْتَكَ سلمَى إبراهيمُ الحسُّون؟ فضَحِكَ معزِّي ضحكةً عريضةً، وقالَ: أنا أمامَكُمْ مُوَافِقٌ مِئَة في المِئَة، ولكنَّ الامرَ بِيَدِها، ولا أظُنَّها تُوَافقُ”! [2، 186-187]
​لكنَّ سلمَى وافقَتْ! واشترطَتْ لمُوافقتِها أن يُثْبِتَ إبراهيم الحسُّون أنَّهُ ابنُ قبيلةٍ معروفةٍ – وهذا عُرْفٌ في الباديةِ – أُسْقِطَ في يَدِهِ، فكيفَ لهُ أن يتزوَّجَ هكذا؟ وكيفَ لمنْ غادرَ عُنَيْزَةَ صغيرًا أن يُثْبِتَ لها أصالةَ نَسَبِهِ! عَلَى أنَّ للمقاديرِ عَمَلَها، فها هو ذا صديقُهُ حمد الهنديُّ يُبْرِقُ إلى أميرِ عُنَيْزَةَ في شأْنِ أصالةِ نَسَبِ إبراهيم الحسُّون، وما هي حتَّى جاءَ رَدُّ الأميرِ بأصالةِ نَسَبِهِ، وباعتزائِهِ إلى قبيلةِ تميمٍ، وإلى فرْعٍ كريمٍ مِنْ فُرُوعِها!
​لمْ تَخْلُ القصَّةُ مِنْ رُوحٍ رُومنطيقيٍّ حُلْوٍ، فالفتاةُ البدويَّةُ التي أَبَتِ الاقترانَ بالشُّيُوخِ، وفَضَّلَتْ عليهمْ هذا الشَّابَّ الحضريَّ = لمْ تُوافقْ عليهِ دُونَ سببٍ! وها هي ذي تقولُ لهُ، بعدَ أنْ صارَتْ عِرْسَهُ: “إنَّني أعرفُ عنكَ الشَّيءَ الكثيرَ مِنْ أُمِّ سُعُود، زوجةِ الأميرِ ابنِ عمَّارٍ، وكُنْتُ نتيجةً لذلكَ أُلاحِظُكَ ضُحَى كُلِّ يومٍ، حينما تتَّجِهُ إلى الغارِ، وأنتَ تحملُ تحتَ إبِطِكَ مجموعةً مِنَ الكُتُبِ، وكُنْتُ أحرصُ علَى أنْ أراكَ ضِمْنَ مَنْ كانَ يأتي مِنْ سُكَّانِ القصْرِ، يتجوَّلُونَ علَى آبارِ الماءِ، ويتلصَّصُونَ ويسترقونَ النَّظَرَ علَى بناتِ البدْوِ، اللَّاتي يَقُمْنَ بِسُقْيَا المواشي والأغنامِ، ولأنِّي لمْ أُشاهِدْكَ قَطُّ معَ هؤلاءِ، فقدْ وَقَعَ في نَفْسي، إنْ قُدِّرَ لي أنْ أتزوَّجَ، أنْ تَكُونَ أنتَ شريكَ حياتي”! [2/205]

وما تَخَلَّفَتْ سلمَى عنْ رصيفاتِها مِنَ بناتِ البدْوِ اللَّواتي يتحلَّقْنَ حَوْلَ الآبارِ للسُقْيَا؛ فلمَّا ضَمَّتْهُما خيمةٌ، وبَعْدَ أنْ تَمَنَّعَتْ عليهِ قليلًا، فحَجَبَتْ وجهَها بأكمامِ ثوبِها الواسعةِ، حتَّى إذا رآها كانتْ كأنَّها بَدْرُ السَّماءِ إذا تَجَلَّى! “وبينما كانتْ واقِفةً مُنْحَنِيَةً تَصُبُّ علَيَّ الماءَ، إذْ سَقَطَتْ إحدَى جدائلِ شعرِها علَى رأسي مستقِرَّةً علَى الأرضِ، وكانتْ مِنَ الكثافةِ بشكلٍ غيرِ معهودٍ، فقُلْتُ في قَرَارةِ نَفْسِي: هذهِ أُولَى البشائرِ”!
​كانَ كُلُّ ما حَوْلَ إبراهيم الحسُّون يرقُصُ ويَهْزُجُ؛ الأطيارُ، والأشجارُ، والأزهارُ، وما ثَمَّ إلا الفَرَحُ، وإلا الطَّربُ، وإلا الأهازيجُ وقَرْعُ الطُّبُولِ، وكانتْ حياتُهُ في أُمِّ رضمةَ متوزِّعةً بينَ كُتُبٍ ومجلَّاتٍ يقرأُها في الغارِ، ومجلسِ الأميرِ ابنِ عَمَّارٍ، وحبيبتِهِ التي تتحيَّنُ في الخيمةِ رُجُوعَهُ!

“كُنْتُ أُحِسُّ بسعادةٍ غامرةٍ تملأُ نَفْسي، تتضاعفُ يومًا بعدَ يومٍ، لِمَا كُنْتُ أُلاحظُهُ علَى تَصَرُّفاتِ هذا الطَّارقِ الجديدِ الذي قُدِّرَ أن يكونَ شريكًا لحياتي، كُنْتُ أزدادُ إعجابًا، يومًا إثْرَ يومٍ، بما أسمعُهُ مِنْ أحاديثِ هذا المخلوقِ، ومِنْ تصرُّفاتِهِ، وحركاتِهِ معَ الأسرةِ الصَّغيرةِ التي يحتويها هذا العُشُّ الصَّغيرُ، وحتَّى آلَ الأمرُ أنْ أصبحتُ أَجِدُ نَفْسي أختصِرُ الوقتَ خارِجَ هذا العُشِّ الصَّغيرِ، أوِ القَفَصِ الذَّهبيِّ، يومًا إثْرَ آخَرَ، لكيْ أعودَ إلى هذا القفصِ بلَهْفةٍ، مُختصِرًا الوقتِ خارِجَهُ ما أمكنَ؛ لأقضيَ أكبرَ وقتٍ ممكنٍ ضِمْنَ جُدْرانِهِ” [2/218]

​هلْ عاكسَتِ الأيَّامُ إبراهيمَ الحسُّون، فأرادتْ إلا أنْ تَحْرِمَهُ حُبًّا أتى مِنْ غيرِ أن يطلُبَهُ أوْ يَنْشَطَ لهُ؟ وإذا هذهِ الأيَّامُ الحُلُوةُ العَذْبةُ التي كُلُّها حُبٌّ وفَرَحٌ واتِّصالٌ بالطَّبيعةِ، حيثُ الصَّحراءُ = تشهدُ مِنْ جديدٍ قِصَّةَ حُبٍّ بَطَلُها عَرَبيٌّ وبَطَلَتُها عَرَبيَّةٌ، فتَجَرَّعَ الألَمَ مَرَّةً واحِدةً، وإذا الموتُ يخطِفُ الزَّوجةَ الحبيبةَ سريعًا، دُونَ مُقَدِّماتٍ، ويا للهِ لأيَّامِهِ مَعَها، ما كانَ أَقْصَرَها:
مَا كَانَ أَقْصَرَهُنَّ عِنْدِي مُدَّةً وَكَذَاكَ أَيَّامُ السُّرُورِ قِصَارُ!

“سارتْ حياتي رَخِيَّةً هانئةً، تَغْمُرُها السَّعادةُ والرِّضا والاطمئنانُ، كانَ كُلُّ يومٍ يَمُرُّ عَلَيَّ أُحِسُّ بأنِّي في عالَمٍ جديدٍ، أَفْضَلَ مِمَّا كُنْتُ عليهِ في أمسِ، حياةٍ لا يشوبُها كَدَرٌ ولا تنغيصٌ، وكأنَّها السَّعادةُ جُسِّمَتْ في روضٍ عُلْوِيٍّ تحتضِنُ كُلَّ ما تشتاقُهُ الأنفُسُ، وتَلَذُّ مِنْهُ الأعيُنُ. مَضَتْ شُهُورٌ ثمانيةٌ تقريبًا، وجاءَ شهرُ رمضانَ، وفي اليومِ الخامسِ والعشرينَ مِنْهُ على التَّحديدِ مِنْ عامِ 1362هـ، كانَ ذلكَ اليومُ بَدْءَ مأساةٍ، أوْ بَدْءَ الإعصارِ، أوْ قُلْ، علَى الأصحِّ: بَدْءَ الكارثةِ والزِّلزالِ المُدَمِّرِ بالنِّسبةِ لي. أَعْلَمَتْني زوجتي سلمَى في ضُحَى ذلكَ اليومِ بأنَّها تُحِسُّ بحرارةٍ في بَدَنِها غيرِ مألوفةٍ، فطَلَبْتُ مِنْها أنْ تُفْطِرَ؛ إذْ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها، وليسَ علَى المريضِ حَرَجٌ، بَيْدَ أنَّها هَوَّنَتْ عَلَيَّ الأمرَ، وأجابَتْ بأنَّها لنْ تُفْطِرَ مهْما بَلَغَتِ الحرارةُ.

كانَ ذلكَ يومَ خمسةٍ وعشرينَ، وفي اليومِ التَّالي ازدادتِ الحرارةُ معها أكثرَ فأكثرَ، فألححْتُ عليها بوُجُوبِ الإفطارِ، ولكنَّها، أيضًا، رَفَضَتْ بإصرارٍ وعُنْفٍ، قائلةً – وكأنَّها تنْظُرُ إلى وراءِ سُجُفِ الغيبِ -: دَعْني أُكْمِلْ صومي، فلنْ تُحَاسَبَ عنِّي. مضَى ذلكَ اليومُ، وتركتُها بَعْدَ أن يَئِسْتُ مِنْ إقناعِها”

​واتَّفَقَ أنْ مَرَّ طبيبٌ بتلكَ النَّاحيةِ مِنَ الصَّحراءِ، مِنْ غيرِ ميعادٍ، وأشارَ بالدَّواءِ، ولكنْ هلْ ينفعُ الدَّواءُ إذا نَزَلَ القضاءُ؟! كانَ المَرْجُوُّ أنْ تَسْلَمَ سلمَى ويَسْلَمَ جنينُها، وما كانَ الزَّوجُ الذي صارَ حبيبًا لِيَطْمَئِنَّ إلى ما انتهَتْ إليهِ؛ أَلَمْ يَرَ في مَنَامِهِ رُؤْيا راعبةً مُخيفةً؟! وما كانَ كلامُ الخادمةِ ليُمِدَّهُ بالطُّمْأنينةِ، وما كانَ إبراهيمُ لِيُغَلِّبَ نجاتَها علَى موتِها! وكانَ ما خافَ أن يَكُونَ! ماتتْ سلْمَى الزَّوجةُ والحبيبةُ، لعلَّهُ عَرَفَ ذلكَ، مِنْ قَبْلِ أنْ تَصِيحَ الخادِمُ في وجْهِهِ: “استعْوِضِ اللهَ يا إبراهيمُ في سلْمَى”!
​لمْ يَكُنْ لإبراهيمَ إلا أن يَهِيمَ علَى وجهِهِ في الصَّحراءِ، ولمْ يستطِعِ البقاءَ والنِّساءُ يُجَهِّزْنَ “العَرُوسَ” لأوَّلِ عهدِها بالآخِرَةِ وآخِرِ عهدِها بالدُّنيا، أمَّا الزَّوجُ فانتهَى بهِ ضرْبُهُ في الصَّحراءِ إلى الغارِ الذي طالما أنفقَ فيهِ السَّاعاتِ ذواتِ العددِ، قراءةً وإمتاعًا ومُؤَانَسَةً، وما دَرَى الصَّحبُ أنَّ الرَّجُلَ كأنَّما جُنَّ، أَوْ لعلَّهُ في طريقِهِ إلى أن يُجَنَّ، كانَ في أعلَى الجبلِ، وكانَ قَبْرُ سلمَى؛ الزَّوجةِ والحبيبةِ، في سَفْحِهِ “كانَ الأَخَوَانِ حمد الهنديُّ والأميرُ ابنُ عَمَّارٍ، وبقيَّةُ أهلِ القصرِ يحفرونَ قَبْرَ سلمَى، في ذاكَ المكانِ، ويدفنونَها”. [2/250] ولولا أنَّ الأميرَ وصحبَهُ اقتادُوهُ إلى القصرِ، ولولا أنَّهُمْ حالُوا بينَهُ وبينَ الخُرُوجِ والضَّرْبِ في الفيافي = لَهَامَ علَى وجهِهِ في الصَّحراءِ التي آضَتْ مُوْحِشَةً، وقدْ كانتْ، قبْلَ حِينٍ، شاهدةً علَى قِصَّةٍ مِنْ أغربِ ما مَرَّ بجزيرةِ العربِ مِنْ قِصَصِ العاشقِينَ، وخُتِمَتْ تلكَ القِصَّةُ الباكيةُ الحزينةُ بموتِ الوليدِ، أوَّلَ قُدُومِهِ إلى الدُّنيا، ودُفِنَ في قبرٍ مُجاوِرٍ لقَبْرِ أُمِّهِ، في حِضْنِ الجَبَلِ.
​لمْ يَنْسَ إبراهيمُ – وهو شيخٌ مُعَمَّرٌ – سلْمَى، وكُتِبَ لهُ أن يُعَمَّرَ بعدَها ويُنْسَأَ في أَجَلِهِ، وهي تَعْمُرُ قلبَهُ، فلمَّا أخرجَ خواطِرَهُ وذكرياتِهِ عَرَفْنا مِقدارَ ما لسلمَى في قلبِهِ

“مَرَّ علَى هذا الحادثِ ما يقارِبُ الشَّهرينِ مِنَ الزَّمنِ، كُنْتُ أقضي أوقاتي خِلالَها أَشْبَهَ بالمشدوهِ الفاقدِ الذَّاكرةِ، أَهِيمُ علَى وجهي، لا أستقرُّ في مكانٍ، كانَ الأخُ حمد الهنديُّ يلاحقُني، حيثما ذهبْتُ، مُحاوِلًا التَّسليةَ عنِّي، بكُلِّ ما يملكُ مِنْ وسائلِ الإقناعِ، كانتْ مِنْ أبرزِ أياديهِ عَلَيَّ، بعدَ اللهِ، أنَّني عندما أنفلِتُ مِنْ مُراقبتِهِ، مُوْهِمًا إيَّاهُ بدُخُولي لمسكني، لِيَنْصَرِفَ هو إلى حيثُ يسكنُ.
كُنْتُ أترقَّبُ بُعْدَهُ عنِّي، وخاصَّةً بعدَ صلاةِ العِشاءِ، فأُسارِعُ إلى جبلِ العُلَيَّا (…) والذي يرقُدُ في سَفْحِهِ جُثمانُ سلمَى ووليدُها، كُنْتُ أُسارِعُ إلى القَبْرِ، فأجْثُو عليهِ باكيًا حزينًا، وأُناجيها بحُرْقةٍ وحُزْنٍ، كما لوْ كانتْ شاخِصةً واقفةً أمامي، فكُنْتُ لا أشعُرُ إلا والأخُ حمد واقفًا علَى رأسي مُمْسِكًا عَضُدي بعُنْفٍ، رافعًا جسمي إلى أعلَى، ثُمَّ يَصْطَحِبُني معهُ علَى غيرِ إرادتي.
كُنْتُ، خلالَ ذلكَ حينما أتَّجِهُ إلى بيتي، وأجتازُ عَتَبَةَ البابِ أُحِسُّ كأنَّني أدخُلُ أَتُونًا مِنَ اللَّهبِ، وكأنَّ يدًا جافَّةً غليظةً، تَعْصِرُ قلبي، وتكادُ تسحبُهُ مِنْ تجويفِ صدري، فأرتدُّ مذعورًا، وأقضي ليلتي بعدَ أن يكونَ قدْ أنهكَني التَّعبُ والألمُ في المكانِ المُخَصَّصِ مِنَ البيتِ للضُّيُوفِ، والذي يمتازُ بأنَّ لهُ بابًا إلى خارجِ البيتِ.
كثيرًا ما ذَهَبْتُ مشيًا علَى الأقدامِ إلى المكانِ الذي جَرَى فيهِ العُرْسُ، وهو (فَيْضةُ الهرارة)، وكانتْ تحتوي علَى الكثيرِ مِنْ أشجارِ الطَّلْحِ الضَّخمةِ، كُنْتُ أتفَيَّأُ ظِلالَها، مستعرِضًا ذكرياتِ تلكَ اللَّيلةِ مُشْخِّصًا لأحداثِها في ذاكرتي، فأرى سلمَى أمامي، أراها لأوَّلِ مَرَّةٍ فتتفجَّرُ الشُّجُونُ وأبكي ما شاءَ اللهُ أنْ أبكيَ. كُنْتُ أصطحِبُ معي أوراقًا، حينما أذهبُ إلى هذا المكانِ، فأُسَجِّلُ ما يَجِيشُ بنَفْسي مِنْ لواعجِ الألمِ وفواجِعِ الحَسْرةِ، وكانَ عُنْوانُ ما كُنْتُ أكتبُهُ بَيْتَ الشِّعْرِ الجاهليِّ:
أَلَا يَا مَنْزِلَيْ سَلْمَى! سَلَامٌ عَلَيْكُمَا
هَلِ الْأَزَمُنُ اللَّائِيْ مَضَيْنَ رَوَاجِعُ؟ [2/251-252]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى