تتعرض المملكة هذه الأيام لاعتداءات متكررة تستهدف أمنها ومنشآتها المدنية والحيوية ، وتقوم مؤسسات الدولة وقواتها العسكرية وأجهزتها الأمنية بحماية ارضها ومواطنيها وهذه مسؤولية سيادية، ولكن اين يقف الشركاء الذين طالما اكدوا ان امن المملكة جزء لا يتجزأ من الامن الخليجي والعربي ، وماذا تعني هذه العبارة حين تتحول التهديدات الى اعتداءات والاعتداءات الى خسائر بشرية بينما تظل الاستجابات السياسية في معظمها أسيرة بيانات الشجب والادانة!
ان ما شهدته المملكة خلال شهر أكتوبر 2026 من اعتداءات استهدفت المطارات والمنشآت المدنية واسفرت عن سقوط ضحايا واصابة اخرين يضع منظومة الامن الإقليمي امام اختبار لا يحتمل الاكتفاء بالمواقف البروتوكولية، ولن نسأل من ادان الاعتداء والاهم من ذلك ماذا بعد الإدانة وما هي الإجراءات التي اتخذها لمنع تكراره وأين انعكست المواقف المعلنة على مستوى التعاون والردع؟
تابعنا ادانة الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي حيث اكد ان امن المملكة ركيزة أساسية من ركائز الامن القومي العربي وفي الحقيقة نقدر ذلك الموقف ولكن اين الأثر التنفيذي لهذا الخطاب عندما تتكرر الاعتداءات ، وانا هنا لا اتحدث عن غياب الإدانة بل عن قصور الإدانة حين تترك بلا متابعة معلنة ونتائج قابلة للقياس ، فجامعة الدول العربية ليست مطالبة بإدارة عمليات عسكرية ولكنها مطالبة بان تجعل من الامن القومي العربي مسؤولية مؤسسية تتجاوز اصدار البيانات، عبر تنسيق المواقف وتفعيل الأدوات القانونية والدبلوماسية ومتابعة تنفيذ القرارات وتوحيد الجهود الرامية الى منع استمرار الاعتداءات .
واذا كانت الجامعة قد اكدت وحدة الامن العربي فمن حق الراي العام ان يعرف ماهي الخطوات التي اتخذتها لترجمة هذا المبدأ الى عمل وما الذي تحقق وما الذي تعثر ولماذا .
ان المشكلة العربية المزمنة ليست نقص العبارات الكبيرة بل الفجوة بين الاتفاق على المبادئ والقدرة على تنفيذها ولا يجوز ان يتحول تكرار هذه الفجوة الى امر مألوف وخصوصاً عندما يتعلق الامر بأمن دوله محورية في المنطقة .
اما مجلس التعاون الخليجي فان مسؤولية التساؤل امامه اكثر الحاحاً لأن دوله ترتبط بمنظومة امنية ومصالح اقتصادية وجغرافية متشابكة، ولأن أي تهديد واسع للمملكة يمكن تتجاوز آثاره حدودها الى بقية دول المجلس.
لقد ادان الأمين العام لمجلس التعاون جاسم البديوي استهداف مطار الملك خالد مؤكدا ان امن المملكة جزء لا يتجزأ من امن دول المجلس ومطالبا بتحرك دولي جاد وإجراءات حاسمة لردع الاعتداءات ، وهنا يجعلنا في حيرة ، فاذا كانت دول المجلس تقف صفاً واحداً مع المملكة فماهي الصورة العملية لهذا الوقوف وأين تظهر وحدة الامن في آليات الاستجابة والتنسيق .
ان التضامن الخليجي لا ينبغي ان يتوقف عند اعلان دعم المملكة في كل ما تتخذه من إجراءات بل يجب ان يصاحبه عمل مؤسسي واضح في حدود الاتفاقيات القائمة ويشمل تبادل المعلومات والانذار المبكر وتعزيز التنسيق الدفاعي وحماية المنشآت الحيوية والتعاون في الامن السيبراني والملاحة الجوية والبحرية وتطوير آليات التشاور العاجل عند وقوع التهديدات ، ولا يعني ذلك المطالبة بتدخل عسكري تلقائي في كل حادثة بل ببناء منظومة تجعل الاعتداء على أي دولة خليجية قضية ذات استجابة جماعية واضحة بدل ان تبقى العبارة الجامعة أوسع من الأدوات التي تحملها، لا سيما ان هناك اتفاقية الدفاع المشترك لدول مجلس التعاون الخليجي والتي تم التوقيع عليها في 21 ديسمبر 2000والتي تنص في مادتها الثانية على ان أي اعتداء على أي دولة يعتبر اعتداء على جميع دول المجلس.
وفي الحقيقة ان كثير من الدول العربية والشقيقة والصديقة لا يمكن انكار مواقفها كمواقف ادانة وعبرت عن تضامنها مع المملكة وكافة الإجراءات التي سوف تتخذها حيال العدوان ، ولكن النقد هنا يتجه الى محدودية الأثر العملي الذي يمكن اثباته لهذه المواقف ، فالدول التي تؤكد حرصها على الاستقرار الإقليمي مطالبة بأن تترجم مواقفها الى تعاون ملموس في حماية المدنيين وتبادل المعلومات ومنع تدفق الأسلحة غير المشروعة ودعم المسألة القانونية وممارسة الضغط الدبلوماسي على الجهات المسؤولة عن الاعتداءات ، كما ان الدول ذات القدرات الدفاعية المتقدمة تستطيع وفق اتفاقياتها والتزاماتها وبحث سبل تعزيز التعاون الدفاعي وحماية البنية التحتية الحيوية ، اما الدول المؤثرة سياسيا فيمكنها ان تجعل وقف الاعتداءات ومنع تكرارها أولوية ثابته في اتصالاتها ومواقفها الدولية ، فليس المطلوب ان تدخل كل دولة حرب ، ولا ان تتخلى عن حساباتها السيادية وانما الا يصبح الحفاظ على المصالح المشتركة مجرد شعار يستحضر في المؤتمرات ثم يغيب عند تحمل المسؤولية .
ان اخطر ما في تكرار الاعتداءات ليس الخسائر المباشرة وحدها بل الأخطر ان تتكون لدى الجهة المعتدية قناعة بأن ردود الفعل يمكن احتوائها وان كلفة الاعتداء السياسية والدبلوماسية محدودة ، وهذه مخاطرة ينبغي ان تواجهها المنطقة بسياسات اكثر فاعليه ، فالردع لا يعني التسرع نحو المواجهة ولا يقتضي التخلي عن الدبلوماسية وانما يقوم على الجمع بين الجاهزية الدفاعية والوضوح السياسي والتعاون الإقليمي والقانون الدولي ومنع تكرار الاعتداءات .
وللمملكة وفق القانون الدولي حق الدفاع عن أراضيها ومواطنيها ومقدراتها وتقدير الوسائل لحماية امنها، ولكن امتلاك المملكة القدرة على الدفاع عن نفسها لا يعفي الشركاء من مسؤولياتهم ولا ينبغي ان يتحول الى مبرر لتركها تواجه وحدها تبعات تهديد يمس امن المنطقة ومصالحها المشتركة .
ومن هنا فان المطلوب من المجتمع الدولي وجامعة الدول العربية ومجلس التعاون على وجه الخصوص ليس اصدار مزيداً من البيانات بل وضع اليات متابعة واضحة وتحديد خطوات عملية وقياس نتائج التعاون ومساءلة المؤسسات عن تنفيذ ما تعلنه من التزامات مع الحفاظ على سرية المعلومات والعمليات التي تقتضيها اعتبارات الامن .
ان المملكة العربية السعودية لا تحتاج الى مزيد من العبارات التي تؤكد مكانتها بقدر ما تحتاج الى ترجمة هذه المكانة الى شراكات فاعلة ومسؤوليات مشتركة وليس من المقبول استراتيجيا ان يظل امن المملكة جزء لا يتجزأ من الامن القومي العربي والخليجي في البيانات بينما تظل كيفية تجسيد هذا المبدأ عملياً سؤلاً مفتوحاً عند كل ازمة .
المملكة لا تطالب بتصعيد غير محسوب ولا بمواقف انفعاليه بل تطالب بتضامن يليق بحجم المسؤولية وبمؤسسات تقاس فاعليتها بنتائجها وبمواقف تسجل في الذاكرة السياسية لأنها أحدثت فرقا حقيقيا في حماية الامن والاستقرار ، فامن المملكة ليس عبارة دبلوماسية تستكمل بها البيانات ولا شعاراً يرفع عند وقوع الاعتداء ثم يطوى بانتهاء الحدث، بل هو جزء من امن المنطقة ومصالحها ومن يعلن ان هذا الامن واحد، عليه ان يثبت ان مسؤوليته عنه ليست كلاماً عابراً ، فالتاريخ لا يسأل كم بياناً اصدرنا بل ماذا فعلنا حين اصبح التضامن مسؤولية وحين احتاجت المبادئ الى مواقف وحين لم تعد الكلمات وحدها كافية .
0






