كتاب الرأي

المملكة العربية السعودية… مواقف راسخة لا تغيّرها الظروف

ليست مواقف الدول في القضايا الكبرى كلماتٍ تُقال في لحظة عابرة، بل مواقف تُختبر على امتداد الزمن، وتكشف معادنها حين تتزاحم المصالح وتشتد الضغوط. ومنذ أن أرسى الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود دعائم هذه الدولة، ظلّ دعم المملكة العربية السعودية لقضايا العرب والمسلمين جزءًا أصيلًا من نهجها السياسي، وامتدادًا لهويتها العربية والإسلامية ومسؤوليتها تجاه محيطها وأمتها.

وتأتي القضية الفلسطينية في مقدمة هذه القضايا؛ فهي ليست ملفًا سياسيًا عابرًا، بل قضية حقٍّ وعدالة وكرامة. وقد تجلّى اهتمام الملك عبدالعزيز بها في مواقفه واتصالاته مع قادة العالم، ومن أبرز محطاتها لقاؤه التاريخي بالرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت في 14 فبراير 1945م، على متن الطراد الأمريكي «يو إس إس كوينسي»، الراسي في البحيرات المرة بقناة السويس. وخلال اللقاء، عرض الملك عبدالعزيز حقوق العرب وموقفهم من قضية فلسطين، مؤكدًا أن معالجة مأساة اللاجئين اليهود لا ينبغي أن تكون على حساب حقوق الشعب الفلسطيني وأرضه. وقد وثّقت السجلات الدبلوماسية الأمريكية هذا اللقاء وما دار فيه من نقاش.

ومضى أبناء الملك المؤسس على النهج ذاته، كلٌّ في ظروف عصره وتحدياته؛ من الملك سعود، مرورًا بالملوك فيصل وخالد وفهد وعبدالله، وصولًا إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان. وقد تنوّعت أدوات الدعم بين العمل السياسي والدبلوماسي، والمساندة الاقتصادية والإنسانية، والدفاع عن القضية الفلسطينية في المحافل الإقليمية والدولية، مع التأكيد المستمر على حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة.

وفي الموقف السعودي الراهن، يتجلى هذا الثبات في التأكيد أن إقامة العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل لن تكون قبل قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967م، وعاصمتها القدس الشرقية. وهو موقف يرتبط بالسعي إلى سلام عادل ودائم، يحفظ الحقوق المشروعة، وينهي الاحتلال، ويهيئ لشعوب المنطقة مستقبلًا أكثر أمنًا واستقرارًا.

ولا تقتصر مواقف المملكة على فلسطين وحدها؛ فقد امتد عطاؤها إلى قضايا عربية وإسلامية متعددة، وإلى إغاثة الشعوب المنكوبة ومساندة المحتاجين، انطلاقًا من إيمانها بأن المسؤولية لا تقف عند حدود الجغرافيا، وأن نصرة الإنسان واجب أخلاقي قبل أن تكون موقفًا سياسيًا. وقد ظل هذا النهج حاضرًا في علاقاتها ومبادراتها، رغم تبدّل الظروف وتعاقب الأزمات.

إن قيمة المواقف تُقاس بقدرتها على الثبات حين تتغير الحسابات، وبوفائها للمبادئ حين تشتد الاختبارات. ومن هنا، فإن ما يجمع مواقف المملكة عبر العهود ليس تشابه الأزمنة، بل استمرارية المبادئ؛ فالأشخاص يتعاقبون، والظروف تتبدل، أما الالتزام بحقوق الشعب الفلسطيني ومساندة القضايا العربية والإسلامية العادلة فيبقى ركيزةً راسخة في سياسة المملكة ونهجها.

نسأل الله أن يحفظ المملكة العربية السعودية، وقيادتها، وشعبها، وأن يديم عليها أمنها واستقرارها، وأن يوفقها لمواصلة رسالتها في نصرة الحق وخدمة قضايا الأمتين العربية والإسلامية، وأن يمنّ على الشعب الفلسطيني بالأمن والحرية وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى