
منذ أن اجتمعت دول العالم تحت مظلة الأمم المتحدة، أصبحت قاعة الجمعية العامة في نيويورك واحدة من أشهر مسارح السياسة الدولية؛ فوق منصتها تعاقب الرؤساء والملوك والزعماء، وترددت فيها كلمات الحرب والسلام، وارتفعت فيها لغة الاحتجاج والمطالبة، حتى غدت بعض الخطب جزءاً من ذاكرة الدبلوماسية العالمية. وفي الغالب، تحكم هذه المنصة قواعد دقيقة من البروتوكول والوقت واللغة، لكن التاريخ احتفظ بلحظات نادرة خرج فيها بعض القادة عن المألوف، فتحولت دقائق الخطاب إلى مشاهد سياسية لا تزال تُروى بعد عقود.
ومن بين أشهر تلك المشاهد ما ارتبط بالزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف خلال دورة الجمعية العامة عام 1960. فقد احتج بعنف أثناء مناقشات متصلة بقضايا الاستعمار، واشتهرت منذ ذلك الحين رواية تقول إنه خلع حذاءه وضرب به الطاولة. غير أن هذه الجزئية تحديداً ليست محسومة تاريخياً؛ فالأمم المتحدة نفسها أعادت فحص القصة في مادة أرشيفية، وأشارت إلى أن الرواية بقيت موضع جدل، بينما تؤكد المصادر أن خروتشوف كان غاضباً وطرق الطاولة بقبضته، وأن الحذاء ظهر على مكتبه، من دون تسجيل مصور حاسم يثبت أنه ضرب به الطاولة. وهكذا أصبحت «قصة الحذاء» واحدة من أشهر الأساطير السياسية المرتبطة بالحرب الباردة، حتى وإن بقيت تفاصيلها موضع نقاش.
أما الزعيم الليبي معمر القذافي، فقد قدّم في 23 سبتمبر 2009 واحداً من أكثر الخطابات إثارة للانتباه في تاريخ الجمعية العامة. كان الوقت المخصص لرؤساء الدول محدوداً، لكنه تحدث نحو ساعة ونصف، وتناول في خطاب طويل قضايا متعددة، وانتقد بنية مجلس الأمن وحق النقض، ووصفه بعبارات حادة، كما رفع نسخة من ميثاق الأمم المتحدة ومزقها أمام الحاضرين، في مشهد رمزي أراد من خلاله التعبير عن اعتراضه على طريقة عمل المنظمة الدولية. وقد وثقت الأمم المتحدة الخطاب ضمن أعمال الدورة الرابعة والستين، فيما تناولت وسائل إعلام دولية تفاصيل خروجه الواضح عن الزمن المعتاد للخطابات.
وفي 20 سبتمبر 2006، اعتلى الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز منصة الجمعية العامة بعد يوم واحد من خطاب الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش. ولم يكتفِ تشافيز بانتقاد السياسات الأمريكية، بل استخدم تعبيراً لافتاً حين قال إن «الشيطان» جاء إلى القاعة في اليوم السابق، وأضاف أنه ما زال يشم رائحة الكبريت. وقد وردت هذه العبارات في المحضر الرسمي للجلسة، لتصبح من أكثر الجمل شهرة وإثارة للجدل في تاريخ خطابات الأمم المتحدة.
وتكشف هذه المواقف الثلاثة، على اختلاف سياقاتها وشخصيات أصحابها، أن الجمعية العامة للأمم المتحدة لم تكن يوماً مجرد قاعة لإلقاء الخطب الرسمية، بل كانت أيضاً مرآة للتوترات الدولية وللأساليب المختلفة التي اختار بها القادة مخاطبة العالم. فالكلمة في هذه القاعة قد تتحول إلى وثيقة تاريخية، والإشارة العابرة قد تصبح صورة تختصر مرحلة بأكملها، وقد يطغى المشهد أحياناً على مضمون الخطاب نفسه.
ولعل المفارقة أن الأمم المتحدة، التي أنشئت لتوفير مساحة للحوار بين الدول، احتفظ تاريخها ببعض أكثر لحظاتها شهرة عندما ارتفعت فيها حدة الانفعال، أو تجاوز المتحدث حدود البروتوكول، أو اختار الرمز الصادم بدلاً من العبارة الدبلوماسية. وهكذا بقيت تلك المشاهد حاضرة في الذاكرة، لا لأنها تمثل جوهر العمل الأممي، وإنما لأنها تذكّر بأن السياسة الدولية ليست نصوصاً جامدة فحسب، بل هي أيضاً لغة وشخصيات ومواقف، وقد تصنع لحظة واحدة من الخطاب تاريخاً أطول من الخطاب نفسه.


وتكشف هذه المواقف الثلاثة، على اختلاف سياقاتها وشخصيات أصحابها، أن الجمعية العامة للأمم المتحدة لم تكن يوماً مجرد قاعة لإلقاء الخطب الرسمية، بل كانت أيضاً مرآة للتوترات الدولية وللأساليب المختلفة التي اختار بها القادة مخاطبة العالم. فالكلمة في هذه القاعة قد تتحول إلى وثيقة تاريخية، والإشارة العابرة قد تصبح صورة تختصر مرحلة بأكملها، وقد يطغى المشهد أحياناً على مضمون الخطاب نفسه.
احسنت كتابة معالي الدكتور وشكراً لك على هذا السرد التاريخي الجميل .