«رحى لطيفة»
ليست الطاقة الإيجابية كما يظنها كثيرون ابتسامةً لا تغيب، ولا كلماتٍ تُقال في وجه الحزن، ولا محاولةً لإقناع النفس بأن الحياة جميلة على الدوام.
فالحياة لم تُخلق بهذا الاتساع من المعاني لتُختزل في شعورٍ عابر، ولا في لحظة فرحٍ أو ألم.
ولو كانت الإيجابية تعني غياب الوجع، لما عرفها الأنبياء، ولا سار بها الصالحون، ولا خرج من رحم المحن عظماء غيّروا وجه التاريخ.
إنها تبدأ في موضعٍ آخر…
في اللحظة التي يتغيّر فيها معنى الحدث، قبل أن يتغيّر الحدث نفسه.
فالحدث واحد…
لكن الأرواح لا تراه بعينٍ واحدة.
قد يقف اثنان أمام الباب ذاته؛ فيراه أحدهما نهاية الطريق، بينما يراه الآخر بابًا أغلقه الله؛ ليفتح له طريقًا لم يكن يراه.
وقد تمر بهما الريح نفسها؛ فينشغل الأول بقسوتها، بينما يتأمل الثاني إلى أين تريد أن تقوده.
ومن هنا يبدأ الفرق بين من تستهلكه الحياة، ومن يصنع من أحداثها وعيًا جديدًا.
لقد تأملت الحياة طويلًا، حتى أدركت أن الخير لا يغيب كما نظن، بل يتخفّى.
يتخفّى خلف تأخيرٍ أرهق انتظارنا، ثم اكتشفنا أنه كان يحفظ أعمارنا من استعجالٍ لم يكن خيرًا لنا.
ويتخفّى خلف خسارةٍ أبكت أعيننا، ثم علمتنا أن بعض ما نفقده، إنما يفقد ليحررنا.
ويتخفّى خلف وجعٍ لم نفهمه، حتى مر الزمن، فعرفنا أن الله كان يبني في أرواحنا ما لم تكن تبنيه سنوات الرخاء.
ولذلك… فالزمن لا يغيّر الحقائق، إنما يكشفها.
ومن هنا فهمت أن الطاقة الإيجابية ليست مهارةً في التفكير، بل عبادةٌ في النظر؛ أن تنظر إلى الحياة بعينٍ تعرف أن الله لا يكتب شيئًا عبثًا، ولا يمنع إلا ليعطي، ولا يؤخر إلا ليهيئ، ولا يبتلي إلا ليطهّر أو يعلّم أو يرفع.
وحين يدرك الإنسان هذه الحقيقة، لا تتغير الحياة… بل تتغير قراءته لها.
ويتحول السؤال من: لماذا حدث هذا لي؟ إلى: ما الخير الذي أراد الله أن أراه من خلال هذا الحدث؟
وهنا تستعيد الروح اتزانها، لا لأن الألم انتهى، بل لأنها أدركت أن الألم لم يكن النهاية، وإنما بداية فهمٍ جديد.
ولهذا فإن أكثر الناس إشراقًا ليسوا أولئك الذين عاشوا بلا عواصف، بل الذين خرجوا من عواصفهم أكثر رحمة، وأوسع بصيرة، وأصدق قربًا من الله.
إنها أن تعيش وأنت تعلم أن الله إذا أغلق بابًا، فتح أبوابًا من لطفه لا تشبه توقعاتك، وإذا أخذ شيئًا أودع في المكان الخالي حكمةً تنبت في وقتها.
ولعل أجمل تعريفٍ للطاقة الإيجابية، أنها ليست أن ترى الحياة كما تريد، بل أن ترى الله في كل ما يقدّره لك.
فإذا امتلأ القلب بهذا اليقين، لم يعد يبحث عن النور في الطرقات، لأن النور الحقيقي لم يكن خارج الإنسان يومًا… بل كان يسكن قلبًا عرف ربَّه، فاهتدى به إلى كل شيء.






