في اليوم الوطني، أكتست واجهات المتاجر بالأخضر، وأنهالت علينا الرسائل الإعلانية: خصومات بنسب متفاوتة، واشترِ واحدة واحصل على الأخرى مجانًا، وعروض على السيارات والملابس والمطاعم والفنادق والأجهزة وكل شيء تقريبًا. ولا اعتراض على التخفيضات، ولا على أن تستثمر الشركات والمحال التجارية مناسبة (اليوم الوطني) في تنشيط مبيعاتها. هذه تجارة، ومن حق التاجر أن يسوّق لبضاعته، كما أن المستهلك قد يستفيد من انخفاض الأسعار.
لكن السؤال: هل نسمي ذلك مشاركة وطنية؟
حين يخفض كيانا تجاريا (شركة – مؤسسة -…) سعر منتج ليبيع كمية أكبر منه، فهو يمارس نشاطًا تسويقيًا مشروعًا، لكنه في النهاية يحقق منفعة تجارية لنفسه. ووضع العلم السعودي على الإعلان، أو تغيير لون الشعار إلى الأخضر، أو إضافة عبارة (عرض اليوم الوطني) لا يحوّل الحملة التسويقية تلقائيًا إلى مبادرة وطنية.
ماذا لو أصبح (اليوم الوطني) موعدًا سنويًا تتنافس فيه الكيانات، لا على أكبر نسبة خصم، وإنما على أكبر أثر تتركه في المجتمع؟
ما الذي يمنع (بنكًا) من الإعلان في (اليوم الوطني) عن تكفله بإنشاء وحدة لغسيل الكلى وتجهيزها بالكامل؟ لماذا لا تقدم الكيانات التخصصية (مكتب محاماة، شركة استشارات مالية، مركز طبي، إلخ) أياما (يوما كل شهر) للاستشارات التخصصية “المجانية”، لتقديم خدمات مجانية بالكامل للمواطنين المستحقين بحيث يكون أحد تلك الأيام هو (اليوم الوطني)؟ كم عدد الشركات في مجالات النقل البري والخدمات اللوجستية والتشغيل والصيانة المستفيدة من تعاقداتها “بمئات الملايين” مع وزارة النقل والخدمات اللوجستية والهيئة العامة للنقل؟ ما الذي يمنعها من الإعلان في (اليوم الوطني) عن تبني مشروع لتركيب جسور مشاة أو مظلات ذكية في المواقف العامة ومحطات الحافلات؟ وما الذي يمنع (شركات التطوير العقاري) التي تتعاقد “بالمليارات” مع وزارة الإسكان أن تكون هديتها في (اليوم الوطني) الإعلان عن إنشاء حديقة عامة، أو إعادة تأهيل حديقة قائمة، أو إنشاء ممشى يخدم سكان أحد الأحياء؟ أو تبني فكرة (الأحياء الخضراء الذكية) لتزيين الأحياء وتحويلها إلى مناطق مستدامة وزراعة نباتات محلية موفرة للمياه، واستخدام إنارة تعتمد على الطاقة الشمسية بالكامل؟ و (شركات المقاولات) يمكنها الإعلان عن ترميم منازل أسر محتاجة، (شركات الاتصالات) إضافة إلى الدقائق المجانية و زيادة نقاط الولاء، لماذا لا تقوم بالتنسيق مع شركات التقنية لتجهيز معامل تقنية في عدد من المدارس، أو تدشين برامج تدريب (مجانًا) على تقنيات المستقبل مثل الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني…؟
الأفكار لا تنتهي، والأجمل أن ترتبط مساهمة كل كيان بمجال خبرته وإمكاناته، حتى تتحول المشاركة من تبرع عابر إلى قيمة مضافة حقيقية للوطن. وليس المطلوب إلغاء التخفيضات أو منع الحملات الإعلانية، وإنما ألا نختزل الوطنية فيها. فالفرق كبير بين كيان يقول للمواطن: “اشترِ مني بمناسبة اليوم وطني”، وكيان يقول “هذا ما سأقدمه لك في يوم الوطن”. تخيلوا لو أن جزءًا فقط من الميزانيات التي تنفقها الكيانات سنويًا على إعلانات (اليوم الوطني) تحول إلى مشروعات مجتمعية مستدامة. بل لماذا لا تحول (إمارات المناطق) مناسبة (اليوم الوطني) إلى (منافسة إيجابية) بين كيانات القطاع الخاص، بحيث يصبح لكل كيان أثر في (اليوم الوطني) يعلن عنه (الكيان) سنويًا، مع أرقام واضحة: ماذا قدم؟ ومن استفاد؟ وما الأثر الذي بقي؟ عندها ستصبح الوطنية جزءًا من المسؤولية الاجتماعية للكيانات، وليست مجرد هوية بصرية موسمية.
القفلة
(اليوم الوطني) مناسبة للاحتفال، نعم، ولكنه أيضًا فرصة لرد الجميل. فالوطن الذي منح الكيانات بيئة آمنة وسوقًا جاذبة تنمو فيه، واقتصادًا تعمل داخله، وبنية تحتية تستفيد منها، ومجتمعًا يشتري منتجاتها وخدماتها، يستحق منها أكثر من كود خصم ينتهي عند منتصف الليل.
في (اليوم الوطني) القادم، لا تخبرونا فقط كم بلغت نسبة الخصم.. أخبرونا: ماذا قدمتم للوطن؟



