المقالات

حين تصبح الصحافة ذاكرةً للوطن.. «مكة» نموذجاً

ليست قيمة الصحيفة بعدد صفحاتها،
ولا بكثرة ما تنشره من أخبار وصور وعناوين
وإنما بما تتركه في ذاكرة القارئ
وما تضيفه إلى وعي المجتمع
وما تحفظه للأجيال من أحداث ومواقف وتحولات تستحق
أن تُروى وتُوثَّق ..

ولعل أجمل ما في العمل الصحفي
أن يتجاوز نقل الخبر إلى
قراءة أبعاده، وأن ينتقل من متابعة الحدث إلى توثيق مراحله
ومن تسجيل ما جرى إلى طرح الأسئلة عما يمكن أن يترتب عليه ..

وقد استوقفتني هذه المعاني
وأنا أتصفح الملحق الخاص
الذي أصدرته : صحيفة مكة الإلكترونية بعنوان «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»
في ثماني عشرة صفحة
تناولت الاتفاق الذي جمع
المملكة العربية السعودية
وتركيا وباكستان وما يحمله من أبعاد سياسية وأمنية واستراتيجية في مرحلة دقيقة من تاريخ المنطقة ..

لم يكن ما استوقفني مجرد
العناوين والصور وإنما فكرة تخصيص ملحق لحدث مهم وجمع مادته في إصدار واحد
وإتاحة المجال أمام الخبر والتحليل والرأي .. بما يمنح القارئ
فرصة أوسع للتأمل والفهم ..

وهنا تكمن إحدى الرسائل الجميلة للصحافة الجادة :
أن الخبر قد يُقرأ في دقائق
لكن التوثيق يبقى شاهداً لسنوات ..

ولقد عاصرتُ من الصحافة مراحل مختلفة .. منذ كانت المطابع تضج بأصوات آلاتها ..
وكانت الصفحات تُراجع قبل أن تصل إلى أيدي القراء مع إشراقة الصباح، إلى أن أصبح الخبر ينتقل في لحظات عبر الشاشات والهواتف ..
وتعلمت من تلك السنوات أن سرعة النشر على أهميتها ..
لا تكفي وحدها لصناعة صحيفة مؤثرة
فهناك مسؤولية أكبر تتمثل في الدقة والمصداقية وحسن الاختيار
واحترام عقل القارئ ..
وهنا يحضرني بكل تقدير اسم الزميل والأخ العزيز الأستاذ
عبدالله بن أحمد الزهراني، مؤسس صحيفة مكة الإلكترونية
ورئيس تحريرها، الذي آمن مبكراً بمستقبل الصحافة الرقمية ..
فكانت مبادرته بتأسيس الصحيفة
عام 2009م، حين كانت الصحافة الورقية لا تزال تتصدر المشهد الإعلامي ..
وليس من الإنصاف أن نحتفي بما وصلت إليه مؤسسة إعلامية دون أن نستذكر بداياتها ..
ومن غرس بذرتها
وصبر على مشقة تأسيسها
وجمع حولها الأقلام والخبرات
حتى أصبح لها حضورها ورسالتها.
ولعل ما يستحق الإشادة في تجربة
أخ الجميع عبدالله الزهراني
أنه لم يجعل الصحيفة مساحة
للأخبار وحدها ..
بل فتح صفحاتها لأصحاب الفكر والرأي والتجربة
إيماناً منه بأن الصحافة
تكبر بتنوع أقلامها
وتزداد قيمة بما تقدمه
لمجتمعها ووطنها ..
وإنني
وقد عاصرت مراحل طويلة من العمل الصحفي أعرف أن تأسيس صحيفة ليس بالأمر السّهل والهيّن ..
لكن الأصعب منه أن تستمر
وأن تحافظ على ثقة قرائها
وأن تجد في كل مرحلة ما تضيفه
إلى مسيرتها ..

فشكراً لأخي عبدالله الزهراني
وشكراً لزملائه الذين شاركوه البدايات وواصلوا معه العطاء :
فالوفاء .. لأصحاب المبادرات
لا .. ينتقص من جهود الآخرين
بل يمنح كل صاحب جهد حقه
من التقدير والثناء ..

ولذلك أجد في المبادرات الصحفية التي تعتني بالتوثيق ما يستحق
التقدير والتشجيع
خصوصاً حين تتناول أحداثاً ترتبط بأمن الأوطان ومستقبل الشعوب ..

إن الاتفاقات الكبرى لا تُقرأ من زاوية مراسم التوقيع وحدها
بل من خلال ظروفها وأهدافها والتزامات أطرافها
وما قد تفتحه من مجالات للتعاون
وما تواجهه من تحديات عند الانتقال من النصوص إلى التنفيذ ..

وهذا ما يجعل دور الصحافة
مهماً :
فهي ليست طرفاً في صناعة
القرارات السياسية،”
لكنها شريك في صناعة الوعي بها
من خلال تقديم المعلومات الموثوقة
وإفساح المجال للقراءات المتزنة
وطرح التساؤلات التي
تشغل الرأي العام ..

ولعل هذا الملحق يفتح أمام صحيفة مكة مجالاً أوسع لإصدارات
توثيقية مماثلة،”
تتناول محطات وطنية وعربية وإسلامية مهمة
وتستعين بأصحاب الخبرة والاختصاص ..
حتى تتحول هذه الأعمال مع مرور الزمن إلى مكتبة إعلامية يعود إليها الباحث والكاتب والقارئ ..

وما أحوجنا في زمن تتسابق فيه الأخبار، وتختلط أحياناً
المعلومات بالآراء
إلى صحافة لا تكتفي بأن تكون الأسرع، بل تحرص على أن تكون
الأدق والأبقى أثراً ..
ولا .. يفوتني هنا أن أشيد بكل جهد صحفي مخلص
من رئيس التحرير إلى المحرر والمراجع والمصمم
وصولاً إلى من يعملون خلف الصفحات بعيداً عن الأضواء :
فنجاح أي إصدار ليس عملاً فردياً، وإنما ثمرة فريق يؤمن برسالته ..

وإذا كانت الصحافة الورقية قد علمتنا أن بعض الصفحات تُحفظ وتُقتنى، فإن الصحافة الإلكترونية تملك اليوم فرصة أوسع لصناعة أرشيف معرفي يصل إلى القارئ أينما كان
ويبقى متاحاً للأجيال القادمة ..

وأقول لزملائنا في صحيفة مكة الإلكترونية :

شكراً لكل جهد يجعل من الصحافة رسالة،”
ومن الخبر معرفة، ومن التوثيق مسؤولية ..

ولعل أجمل ما يمكن أن تتمناه صحيفة من قرائها ألا يكتفوا بقراءة ما تنشره، بل أن يجدوا فيه
ما .. يستحق العودة إليه ..

فالصحيفة الناجحة لا تكتفي بأن تخبرنا بما حدث بالأمس
بل تترك للأجيال ما يساعدها
على فهم تاريخ الغد ..

حفظ الله وطننا وقيادته
وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار
ووفق كل قلم مخلص يجعل من الكلمة أمانة
ومن الحقيقة غاية
ومن خدمة الوطن
شرفاً ومسؤولية ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى